الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
481
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره * خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد وللموت خير من زيارة باخل * يلاحظ أطراف الأكيل على عمد ولم يذكر قائلها ( 1 ) ، فلعلّ ابن أبي الحديد قال منسوب إلى حاتم حدسا لشهرته في الجود والإيثار ، فكان يتجوّع ويشبع جاره ففي ( شعراء ابن قتيبة ) : قالت نوّار امرأة حاتم : أصابتنا سنة أقشعرّت لها الأرض واغبرّت الآفاق ، فضنّت المراضع عن أولادها فما تبض بطرة وراحت الإبل حدبا حدابيس ، وحلقت ألسنة المال وأيقنا انهّ الهلاك من الجوع ، فقام حاتم إلى الصبيّين وقمت إلى الصبيّة ، فو اللّه ما سكتوا إلّا بعد هدأة من الليل ، وأقبل يعلّلني بالحديث فعلمت الذي يريد فتناومت ، فلما تجوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت ، فقال : من هذا فذهب ثم عاد فقال : من هذا فذهب ثم عاد في آخر الليل ، فقال : من هذا فقال : جارتك فلانة أتتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع فما أجد معولا إلّا عليك أبا عدي . فقال : أعجيلهم قد أشبعك اللّه وإيّاهم . فأقبلت المرأة تحمل اثنين وتمشي جنباتها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها ، فقام إلى فرسه ، فوجا لبته بمدية ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة فقال : شأنك الآن فاجتمعوا على اللحم ، فقال : سوأة أتأكلون دون الصريم ، ثم أقبل يأتيهم بيتا بيتا ، ويقول : هبّوا أيها القوم عليكم بالنّار ، فاجتمعوا فالتفع ناحية بثوبه ينظر إلينا ، ولا واللّه ما ذاق منه مضغة وانهّ لأحوج إليه منّا فأصبحنا وما على الأرض إلّا عظم وحافر ، فعذلته على ذلك فقال :
--> ( 1 ) كامل المبرد 5 : 144 ، وعيون ابن قتيبة 3 : 263 .