الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
405
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
7 الحكمة ( 77 ) وَمِنْ خَبَرِ ضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ الضَّابِيِّ - عِنْدَ دخُوُلهِِ عَلَى مُعَاوِيَةَ - وَمسَأْلَتَهِِ لَهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع - قاَل َفَأَشْهَدُ لَقَدْ رأَيَتْهُُ فِي بَعْضِ موَاَقفِهِِ - وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سدُوُلهَُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي محِرْاَبهِِ - قَابِضٌ عَلَى لحِيْتَهِِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ - وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ وَيَقُولُ - يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكِ عَنِّي أَ بِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ - لَا حَانَ حِينُكِ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ - قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثاً لَا رَجْعَةَ فِيهَا - فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ - آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَطُولِ الطَّرِيقِ - وَبُعْدِ السَّفَرِ وَعَظِيمِ الْمَوْرِدِ أقول : رواه ( مروج المسعودي ) هكذا قال : دخل ضرار بن ضمرة - وكان من خواص علي عليه السلام - على معاوية وافدا ، فقال له صف لي عليا . قال : اعفني قال : لا بدّ من ذلك ، فقال : أما إذا كان لا بدّ من ذلك ، فإنه كان واللّه بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه ، يعجبه من الطعام ما خشن ومن اللباس ما قصر ، وكان واللّه يجيبنا إذا دعوناه ويعطينا إذا سألناه ، وكنّا واللّه على تقريبه لنا وقربه منّا لا نكلمّه هيبة له ، ولا نبتدئه لعظمه في نفوسنا ، يبسم عن ثغر كاللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ، ويرحم المساكين ويطعم في المسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ، يكسو العريان وينصر اللهفان ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل وظلمته ، وكأنّي به وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول : يا دنيا غرّي غيري ، ألي تعرضت أم إلي تشوّقت هيهات هيهات لا حان حينك قد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك ، عمرك قصير وعيشك