الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

85

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

من الأصلح للمكلّفين من تقديم المفضول عليه لكان من تقدم عليه هالكا . فالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم أخبره أنّ الإمامة حقه ، وانهّ أولى بها من الناس أجمعين . وأعلمه أنهّ في تقديم غيره وصبره على التأخر عنها مصلحة للدين راجعة إلى المكلّفين ، وأنهّ يجب عليه أن يمسك عن طلبها ، ويغضي عنها لمن هو دون مرتبته ، فامتثل ما أمره به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ولم يخرجه تقدم من تقدم عليه من كونه الأفضل والأولى والأحق ، وقد صرّح شيخنا أبو القاسم البلخي بهذا ، وصرّح به تلامذته ، وقالوا : لو نازع عقيب وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وسلّ سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه ، ولكنه مالك الأمر ، وصاحب الخلافة ، إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها ، وإذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من أغضى له عليها ، وحكمه في ذلك حكم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم لأنهّ قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنهّ قال : « علي مع الحق ، والحق مع علي يدور حيثما دار » وقال له غير مرة : « حربك حربي وسلمك سلمي » وهذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي وبه أقول ( 1 ) . قلت : إنّي لأستحي للرجل ولأصحابه البغدايين من أهل العالم . فهل نزاعه عليه السلام مع الثلاثة أمر يلتبس بعد تواتر الأخبار به وملء السير منه وما ذكره من عدم سلهّ عليه السلام سيفه تخليط . فإنّما سلّ السيف لمن كان له سيف ، والنفر الواحد أنّي يكون له سيف في قبال جميع الناس ، فهو نظير أن يقال : إنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم لم يكن في مدة مقامه بمكّة نبيّا لأنهّ ما سلّ سيفا وانّما كان نبيّا حين هاجر وسلّ سيفه . وما نقله عن البلخي وأتباعه من قولهم بتفسيق من نازعهم كأهل

--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 211 .