الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
57
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم عند وروده المدينة داره وأحلهّ قراره ، وخلطه بحرمه وأولاده ، ولم يميزّه من خاصة نفسه ، ولا احتشمه في باطن أمره وسرهّ . وهذه منقبة توحّد أمير المؤمنين عليه السلام بها من كافة أهل بيته وأصحابه ، ولم يشركه فيها أحد من أشياعه وأتباعه ، ولم يحصل لغيره من الخلق فضل سواها يعادلها عن السبر ، ولا يقاربها على الامتحان ، وهي مضافة إلى ما قدمّناه من مناقبه القاهر فضلها ، الباهرة بشرفها قلوب العقلاء ، قال : ومن ذلك ما أجمعت عليه السير أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام وأنفذ معه جماعة من المسلمين فيهم البراء بن عازب ، وأقام خالد على القوم ستّة أشهر يدعوهم فلم يجبه أحد منهم ، فساء ذلك النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فدعا أمير المؤمنين عليه السلام وأمره أن يقفل خالدا ومن معه ، وقال له : إن أراد ممّن مع خالد أن يعقب معك فاتركه . قال البراء : فكنت في من عقب معه ، فلمّا انتهينا إلى أوائل أهل اليمن ، وبلغ القوم الخبر تجمّعوا له . فصلّى بنا الفجر ثم تقدم بين أيدينا ، فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ، ثم قرأ على القوم كتاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فأسلمت همدان كلها في يوم واحد ، وكتب عليه السلام بذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فاستبشر ، وابتهج ، وخرّ ساجدا شكرا للهّ تعالى ، ثم رفع رأسه وجلس وقال « السلام على همدان » - ثم تتابع بعد اسلام همدان - أهل اليمن على الإسلام . وهذه أيضا منقبة له عليه السلام ليس لأحد من الصحابة مثلها ولا مقاربها ، وذلك أنهّ لما وقف الأمر في ما بعث له خالد وخيف الفساد لم يوجد من يتلافى ذلك سواه ، فندب عليه السلام له فقام به أحسن قيام ، وجرى على عادة اللّه تعالى عنده في التوفيق لما يلائم إيثار النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وكان بيمنه ورفقه وحسن تدبيره ، وخلوص نيتّه في طاعة اللّه - عزّ وجلّ - هداية من اهتدى بهديه من الناس ،