الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

550

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وتلك خاصية النبوّة الّتي امتاز بها عنك . فإنهّ لا يسمع كلامه أحد إلّا أحبهّ ومال إليه ، ولذلك كانت قريش تسمّى المسلمين قبل الهجرة الصابئة ، ويقولون : تخاف أن يصبو الوليد بن المغيرة إلى دين محمّد ، ولئن صبا الوليد ، وهو ريحانة قريش ، لتصبونّ قريش بأجمعها ، وقالوا فيه : ما كلامه إلّا السحر ، وإنهّ ليفعل بالألباب فوق ما يفعل الخمر ، ونهوا صبيانهم عن الجلوس إليه لئلّا يستميلهم بكلامه وشمائله ، وكان إذا صلّى في الحجرة وجهر ، يجعلون أصابعهم في آذانهم ، ويستغشون ثيابهم ، ولذا أسلم الناس بمجرد سماع كلامه ورؤيته ، ومشاهدة روائه ومنظره ، وهذا من أعظم معجزاته ، وهو القبول الّذي منحه اللّه تعالى ، والطاعة الّتي جعلها في قلوب الناس له ، وذلك على الحقيقة سرّ النبوّة الّتي تفرّد به النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم فكيف انتظر عليه السّلام من الناس أن يكونوا معه كما كان آباؤهم وإخوانهم مع النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ( 1 ) قلت : ليس الفرق بينهما ما ذكر ، وإنّما الفرق أنّ الناس في أوّل الأمر كان من تبع منهم النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم تبعه طلبا للحقيقة ورفضا للخرافات ومنكرات الجاهلية ، وليس في يدهم من الدنيا شيء ، وفي عصره عليه السّلام قست قلوبهم وكانت الدنيا أقبلت عليهم من كلّ وجه . وما ذكره من تأثير كلام النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم إنّما كان من القرآن الّذي يقرأه عليهم فلمّا سألت قريش الوليد عن القرآن أي شيء هو قال لهم : إِنْ هذا إِلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلّا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 2 ) ولم يكن من خاصية النبوّة ، وإلّا فقد قال تعالى : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 3 ) .

--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 135 ، والنقل بتصرف يسير . ( 2 ) المدثر : 24 ، 25 . ( 3 ) يس : 30 .