الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
49
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
فاستنفرهم إلى بلاد الروم ، وقد أينعت ثمارهم ، واشتد القيظ عليهم . فأبطأ أكثرهم عن طاعته رغبة في العاجل ، وحرصا على المعيشة وإصلاحها ، وخوفا من شدة القيظ وبعد المسافة ، ولقاء العدو . ثم نهض بعضهم على استثقال وتخلّف آخرون ، ولمّا أراد الخروج استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في أهله وولده وأزواجه ومهاجره وقال له : إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك . وذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم علم من خبث نيات الأعراب ، وكثير من أهل مكّة ، ومن حولها ممّن غزاهم ، وسفك دماءهم . فأشفق أن يطلبوا المدينة عند نأيه عنها ، وحصوله ببلاد الروم أو نحوها ، فمتى لم يكن فيها من يقوم مقامه لم يؤمن معرّتهم ، وايقاع الفساد في دار هجرته ، والتخطّي إلى ما يشين أهله ومخلفّيه ، وعلم أنهّ لا يقوم مقامه في ارهاب العدو وحراسة دار الهجرة ، وحياطة من فيها إلّا أمير المؤمنين عليه السلام ، فاستخلفه استخلافا ظاهرا ، ونصّ عليه بالإمامة نصّا جليا . وذلك في ما تظاهرت به الرواية أنّ أهل النفاق لمّا علموا باستخلاف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم له عليه السلام على المدينة حسدوه لذلك ، وعظم عليهم مقامه فيها بعد خروجه ، وعلموا أنّها تتحرّس به ، ولا يكون فيها للعدوّ مطمع . فساءهم ذلك وكانوا يؤثرون خروجه معه لما يرجونه من وقوع الإفساد ، والاختلاط عند نأي النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وخلّوها من مرهوب مخوف يحرسها ، وغبطوه على الرفاهية والدعة بمقامه في أهله ، وتكلّف من خرج منهم المشاق بالسفر والخطر ، فأرجفوا بأمير المؤمنين عليه السلام وقالوا : لم يستخلفه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إكراما له وإجلالا ومودّة ، وانّما خلفّه استثقالا له . فبهتوه بهذا الإرجاف كبهت قريش للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالجنّة تارة ، وبالشعر أخرى ، وبالسحر مرة ، وبالكهانة أخرى ، وهم يعلمون ضدّ ذلك ونقيضه كما علم المنافقون ضدّ ما أرجفوا به على