الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

46

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سكَيِنتَهَُ عَلى رسَوُلهِِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 1 ) يعني أمير المؤمنين عليه السلام ومن ثبت معه من بني هاشم وهم يومئذ ثمانية . قال : فانظر إلى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الغزاة ، وتأملها ، وفكّر في معانيها تجده عليه السلام قد تولّى كل فضل كان فيها ، واختصّ من ذلك بما لم يشركه فيه أحد من الأمة ، وذلك أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ثبت مع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم عند انهزام الناس كافة الّا النفر الّذين كان ثبوتهم بثبوته عليه السلام ، وذلك أنّا قد احطنا علما بتقدمه في الشجاعة والبأس ، والصبر والنجدة ، على العباس وابنه الفضل ، وأبي سفيان بن الحرث ، والنفر الباقين لظهور أمره في المقامات الّتي لم يحضرها أحد منهم ، واشتهار خبره في منازلة الأقران ، وقتل الأبطال ، ولم يعرف لأحد من هؤلاء مقام من مقاماته ، ولا قتيل عزي إليهم بالذكر ، فعلم بذلك أنّ ثبوتهم كان به عليه السلام ، ولو لاه كانت الجناية على الدين لا تتلافى ، وأنّ بمقامه ذلك المقام ، وصبره مع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان رجوع المسلمين إلى الحرب ، وتشجعهم في لقاء العدو . ثم ما كان من قتله عليه السلام أبا جرول متقدم المشركين ما كان هو السبب في هزيمة القوم وظفر المسلمين بهم . وكان من بلية المتقدم عليه في مقام الخلافة بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ان عان المسلمين باعجابه بالكثرة ، وكانت هزيمتهم بسبب ذلك أو كان أحد أسبابها . ثم ما كان من صاحبه - أي عمر - من قتل الاسرى من القوم ، وقد نهى النبي صلّى اللّه عليه وآله عن قتلهم ، ما ارتكب به عظيم الخلاف للهّ تعالى ولرسوله حتى أغضبه ذلك ، وآسفه فأنكره وأكبره ، وكان من صلاح أمر الأنصار بمعونة

--> ( 1 ) التوبة : 25 - 26 .