الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

43

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

فقال عليه السلام له : ما أرى شيئا يغني عنك ولكنّك سيّد بني كنانة ، قم واجر بين الناس ثم الحق بأرضك . قال : فترى ذلك مغنيا عنّي شيئا قال : لا واللّه ، ما أظن ولكن ما أجد غير ذلك . فقام أبو سفيان في المسجد . فقال : أيّها الناس إنّي قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره وانطلق فلمّا قدم على قريش قالوا : ما وراءك قال : جئت محمّدا فكلمّته فو اللّه ما ردّ علي شيئا ، ثم جئت ابن أبي قحافة ، فلم أجد فيه خيرا ، ثم لقيت ابن الخطاب فوجدته فظّا غليظا لا خير فيه ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم لي ، وأشار علي بشيء فصنعته . فو اللّه ما أدرى يغني عنّي شيئا أم لا . قالوا : بما أمرك قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت . فقالوا : هل أجاز ذلك محمّد قال : لا . قالوا : ويلك فو اللّه ما زاد الرجل على أن لعب بك ، فما يغني عنك . فقال أبو سفيان : لا . واللّه ما وجدت غير ذلك ، وكان الّذي فعله أمير المؤمنين عليه السلام من أصوب رأى لتمام أمر المسلمين ، وأصحّ تدبير ، وتمّ به للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله في القوم ما تم ، ألا ترى أنه عليه السلام صدق أبا سفيان عن الحال ثم لان له بعض اللين حتّى خرج عن المدينة ، وهو يظنّ أنهّ على شيء فانقطع بخروجه على تلك الحال موادّ كيده الّتي كان يتشعث بها الأمر على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وذلك انهّ لو خرج آيسا حسب ما آيسه الرجلان لتجدد للقوم من الرأي في حربه عليه السلام ، والتحرز منه ما لم يخطر لهم ببال مع مجيء أبي سفيان إليهم بما جاء إذ كان يقيم بالمدينة على التمحّل لتمام مراده بالاستشفاع إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فيتجدّد بذلك أمر يصدهّ عن قصد قريش أو يثبطّه عنهم تثبيطا يفوته معه المراد ، وكان التوفيق من اللّه تعالى لرأي أمير المؤمنين عليه السلام في ما رآه من تدبير الأمر مع أبي سفيان حتّى انتظم بذلك للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم من فتح مكّة ما أراد .