الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

41

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

قلت : ولبروز تلك القوة الإلهية منه عليه السلام في خيبر ضلّ فيه جمع . فزعموا إلهيته . قال شاعرهم : إنّما خالق الخلائق من زع * زع أركان خيبر جذبا قد رضينا به إلها وسجد * ناله مولى وربّا قال : ثم تلا غزاة خيبر مواقف لم تجر مجرى ما تقدمها فنعمد لذكرها وأكثرها كان بعوثا لم يشهدها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ولا كان الاهتمام بها كالاهتمام بما سلف لضعف العدو ، وغناء بعض المسلمين عن غيرهم فيها فأضربنا عن تعدادها وان كان لأمير المؤمنين عليه السلام في جميعها حظ وافر من قول أو عمل . قال : ثم كانت غزوة الفتح ، وهي التي وطّدت أمر الإسلام ، ومهّدت الدين بما منّ اللّه سبحانه على نبيهّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم فيها ، وكان الوعد بها تقدم في قوله تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْواجاً ( 1 ) وقوله - عزّ وجلّ - قبلها بمدة طويلة لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رسَوُلهَُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ ( 2 ) وكانت الأعين إليها ممتدة ، والرقاب إليها متطاولة ، ودبّر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم الأمر فيها بكتمان مسيره إلى مكّة ، وسرّ عزيمته عن مراده بأهلها ، وسأل اللّه تعالى أن يطوي خبره عن أهلها حتى يبغتهم بدخولها ، وكان المؤتمن على هذا السرّ من بين الجماعة أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان الشريك للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في الرأي ثم أنماه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلى جماعة بعد ، واستتبّ الأمر فيه على أحوال كان أمير المؤمنين عليه السلام في جميعها متفرّدا من الفضل بما لم يشركه فيه غيره من الناس .

--> ( 1 ) النصر : 1 - 2 . ( 2 ) الفتح : 27 .