الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
251
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
قلت : وروى ابن قتيبة في ( خلفائه ) كتاب معاوية ، وجواب أمير المؤمنين عليه السلام . مع اختلاف . فقال : لمّا استقام أمر الشام على معاوية ، وبايعوه كتب إلى علي عليه السلام « أما بعد فإنّا كنّا نحن وإيّاكم يدا جامعة والفة أليفة ، حتّى طمعت يا ابن أبي طالب . فتغيرت ، وأصبحت تعدّ نفسك قويّا على من عاداك بطغام أهل الحجاز ، وأوباش أهل العراق ، وحمقى الفسطاط ، وغوغاء السواد وأيم اللّه لينجلين عنك حمقاها ، ولينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء . قتلت عثمان بن عفان ورقيت سلّما . أطلعك اللّه عليه مطلع سوء عليك لا لك ، وقتلت الزبير وطلحة ، وشردت بامّك عائشة ، ونزلت بين المصرين . فمنّيت وتمنيت ، وخيّل لك أنّ الدنيا قد سخّرت لك بخيلها ورجلها ، وانّما تعرف أمنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الإسلام ، فيحيطون بك من ورائك ، ثم يقضي اللّه علمه فيك ، والسلام على أوليائه » . فأجابه علي عليه السلام « أما بعد فقدّر الأمور تقدير من ينظر لنفسه دون جنده ، ولا يشتغل بالهزل من قوله . فلعمري لئن كانت قوّتي بأهل العراق أوثق عندي من قوّتي باللهّ ، ومعرفتي به . ليس عنده باللهّ تعالى يقين من كان على هذا ، فناج نفسك مناجاة من يستغني بالجد دون الهزل ، فإنّ في القول سعة ، ولن يعذر مثلك في ما طمح إليه الرجال ، وامّا ما ذكرت من انّا كنّا وإيّاكم يدا جامعة . فكنّا كما ذكرت . ففرّق بيننا وبينكم أنّ اللّه بعث رسوله منّا ، فآمنّا به وكفرتم . ثم زعمت أنّي قتلت طلحة والزبير . فذلك أمر غبت عنه ، ولم تحضره ، ولو حضرته لعلمته . فلا عليك ، ولا العذر فيه إليك ، وزعمت انّك زائري في المهاجرين وقد انقطعت الهجرة حين أسر أخوك . فإن يك فيك عجل فاسترقه وكان أزرك فجدير أن يكون اللّه بعثني عليك للنقمة منك » ( 1 ) .
--> ( 1 ) الإمامة والسياسة 1 : 80 .