الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

244

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

عليه بإظهار المصاحف ، ورفعها بأعلى الأعلام والدعاء إلى ما فيها وقال : إنّ ابن أبي طالب وحزبه أهل بصائر ورحمة ، وقد دعوك إلى كتاب اللّه أولا وهم مجيبوك إليه آخرا ، فأطاعه في ما أشار به عليه ، إذ رأى انهّ لا منجى له من القتل أو الهرب غيره ، فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه ، فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي بعد فناء أخيارهم ، وجهدهم في جهاد أعداء اللّه على بصائرهم ، وظنّوا أنّ ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه ، فأصغوا إلى دعوته ، وأقبلوا بأجمعهم في إجابته ، فأعلمتهم أنّ ذلك مكر منه ومن ابن العاص ، وأنّهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء ، فلم يقبلوا قولي ، ولم يطيعوا أمري ، وأبوا إلّا إجابته ، كرهت أم هويت ، شئت أو أبيت ، حتّى أخذ بعضهم يقول لبعض : إن لم يفعل فألحقوه بابن عفّان أو ادفعوه إلى ابن هند برمته ، فجهدت - علم اللّه - جهدي ، ولم أدع غلّة في نفسي إلّا بلغتها في أن يخلّوني ورائي فلم يفعلوا ، وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ركضة الفرس ، فلم يجيبوا ، ما خلا هذا الشيخ - وأشار بيده إلى الأشتر - وعصبة من أهل بيتي ، فو اللّه ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان - وأومأ بيده إلى الحسن والحسين عليهما السلام - فيقطع نسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وذريّته من امتّه ، ومخافة أن يقتل هذا وهذا - وأومأ بيده إلى عبد اللّه بن جعفر ومحمّد بن الحنفية - فإني أعلم لولا مكاني لم يقفا ذلك الموقف ، فلذلك صبرت على ما أراد القوم ، مع ما سبق فيه من علم اللّه عزّ وجلّ . فلمّا رفعنا عن القوم سيوفنا ، تحكّموا في الأمور ، وتخيّروا الأحكام والآراء ، وتركوا المصاحف ، وما دعوا إليه من حكم القرآن ، وما كنت أحكّم في دين اللّه أحدا إذ كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شكّ فيه ولا امتراء ، فلمّا أبوا إلّا ذلك أردت أن أحكّم رجلا من أهل بيتي ، أو رجالا ممّن أرضى رأيه وعقله ،