الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
20
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أصحابك خيبر على رجال من اليهود وفرسانها من قريش وغيرها . فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح ، وهم في أمنع واد وأكثر عدد ، كلّ ينادى ويدعو ، ويبادر إلى القتال . فلم يبرز إليهم أحد من أصحابه إلّا قتلوه حتى إذا احمرّت الحدق ودعيت إلى النزال ، وأهمّت كل امرئ نفسه ، والتفت بعض أصحابه إلى بعض ، وكلّ يقول : يا أبا الحسن انهض ، أنهضني النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى دارهم . فلم يبرز إليّ أحد منهم إلّا قتلته ، ولا يثبت لي فارس إلّا طحنته ، ثم شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتّى أدخلتهم جوف مدينتهم مشددا عليهم ، فاقتلعت باب حصنهم بيدي ، حتّى دخلت عليهم مدينتهم وحدي ، أقتل من يظهر فيها من رجالها ، وأسبي من أجد من نسائها ، حتى أفتتحتها وحدي ، ولم يكن لي فيها معاون الّا اللّه وحده . ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال : أليس كذلك قالوا : بلى . قال : وأما السابعة ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا توجهّ لفتح مكّة أحب أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى اللّه - عزّ وجلّ - آخرا كما دعاهم أوّلا ، فكتب إليهم كتابا يحذّرهم فيه ، وينذرهم عذاب اللّه ، ويعدهم الصفح ، ويمنّيهم مغفرة ربهم . ونسخ لهم في آخره سورة براءة ليقرؤوها عليهم ثمّ عرض على جميع أصحابه المضي به فكلهم يرى التثاقل فيهم ، فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلا . فوجهّه به فأتاه جبرئيل فقال : يا محمّد لا يؤدّي عنك الّا أنت أو رجل منك . فأنبأني النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بذلك ، ووجّهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكّة ، وأهلها من قد عرفتم وليس أحد منهم الّا ولو قدر أن يضع كل جبل مني اربا لفعل ، ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله وولده وماله ، فبلّغتهم رسالة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقرأت عليهم كتابه ، فكلهم يلقاني بالتهديد والوعيد ، ويبدي لي البغضاء ، ويظهر الشحناء ، من رجالهم ونسائهم ، فكان مني في ذلك ما قد رأيتم .