الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
188
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
غاب عن قومه كما غاب موسى عن قومه » ( 1 ) غالط كل هذه المغالطات لتنفيذ أغراضه . وكيف لا يكون قوله : « رضيك النبي لديننا أفلا نرضاك لدنيانا » مغالطة وخليفة كل رجل لا بدّ أن يكون نظيره حتى يتمكن من عمل أعماله ، وقد قال تعالى في شموخ مقام النبوّة وخليفته مثله اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسِالتَهَُ ( 2 ) . واما قوله : « الا ترى كيف نصّ على إخراج أبي بكر وعمر في جيش اسامة ، ولم يخرجا لمّا رأيا أنّ في مقامهما مصلحة » فمن أعجب العجب وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 3 ) فهل منشأ الاختلافات الواقعة في الاسلام ، وحدوث المذاهب الباطلة فيه ، وقتل النفوس ، ونهب الأموال ، وهتك الأعراض ، وعزّة المنافقين ، وذلّة المؤمنين كان إلّا من بقائهما في المدينة ، وتصديهما لما تصدّيا وكيف يكونان أعرف بالمصالح ممّن قال تعالى في حقه : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) وما يفعل بلعنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم للمتخلف عن الجيش وكذلك إنكار الثاني وصيته صلّى اللّه عليه وآله وسلم فهل كان حدوث جميع المفاسد الحادثة في الاسلام إلّا لذاك الانكار ، ولذا كان ابن عباس يبكي من تذكرّه بكاء الثكلى ويتأسّف تأسّف الحرّى ، وما يفعل بنسبته الهجر إليه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وأما نزوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم في بدر منزلا ، واستصلاح الأنصار منزلا آخر فلم يكن مخالفة لقوله ، كيف والأصل فيه أنّ الحباب بن المنذر - كما في ( الطبري ) -
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه 2 : 290 و 3 : 94 ، وأحمد في مسنده 3 : 196 ، و 6 : 219 ، وابن سعد في الطبقات 2 ق 2 : 53 - 57 وغيرهم . ( 2 ) الانعام : 124 . ( 3 ) البقرة : 11 . ( 4 ) النجم : 3 و 4 .