الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

186

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وذلك لأنّ همم أهل الدنيا مصروفة إلى الدنيا والأموال . فإذا وجدوها سكتوا ، وإذا فقدوها هاجوا واضطربوا . ألست ترى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كيف قسّم غنائم هوازن على المنافقين ، وعلى أعدائه الّذين يتمنّون قتله وموته وزوال دولته . فلمّا أعطاهم أحبوّه إمّا كلّهم ، وإمّا أكثرهم ، ومن لم يحبهّ منهم بقلبه جامله وداراه ، وكفّ عن اظهار عداوته والاجلاب عليه ، ولو أنّ عليّا عليه السلام صانع أصحابه بالمال ، وأعطى الوجوه والرؤساء المال ، لكان أمره إلى الانتظام والاطراد أقرب ، ولكنهّ رفض جانب التدبير الدنيوي ، وآثر لزوم الدين ، وتمسّك بأحكام الشريعة ، والملك أمر آخر غير الدين ، فاضطرب عليه أصحابه ، وهرب كثير منهم إلى عدوهّ ( 1 ) . نقلنا الكلامين بطولهما لكون الأول متكفلا لبيان وجوب وجود النص في العقل والحكمة ، وكون الثاني متحمّلا لبيان دفع الاستبعاد في مخالفة الصحابة للنص على أمير المؤمنين عليه السلام كما تعلق به الخصم بما يقنع المنصف ، وان كان في كلامه الثاني ، مخلّطا بين الغثّ والسمين إمّا مما شاة وجدلا ، وإمّا لما قاله من ابن أبي الحديد عدم كون الرجل إماميا ولا يبرأ من السلف ، فذكر في كلامه الثاني أحاديث موضوعة ، وألبس لباس المناقب وجعل القدح مدحا ، فلنتكلّم على بعض فقراته دفعا للالتباس . أمّا قوله أوّلا « إنّ القوم لم يكونوا يذهبون إلى أنها من معالم الدين » فنقول : إنّ قول عمر يوم السقيفة لأبي بكر : « ابسط يدك أبايعك ، رضيك النبي لديننا أفلا نرضاك لدنيانا » ، لفظه وان دلّ على ما ذكر من كون الخلافة رياسة دنيوية الّا ان عملهم يضاده ، حيث انّهم حكموا بارتداد من أنكر خلافة أبي بكر ، وسوّوا بين المنكرين لخلافته والمنكرين

--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 115 - 119 ، شرح الخطبة 226 .