الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

182

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

قال رحمه اللّه وسكت الناس عن الانكار لانّهم كانوا متفرّقين ، فمنهم من هو مبغض شانئ لعليّ عليه السلام فالّذي تمّ من صرف الأمر عنه قرّة عينه ، وبرد فؤاده ، ومنهم ذوو الدين ، وصحّة اليقين . إلّا انه لما رأى كبراء الصحابة قد اتفقوا على صرف الأمر عنه ظنّ أنّهم إنّما فعلوا ذلك خلاف النص من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بنسخ ما كان سمعه من النص علي أمير المؤمنين عليه السلام لا سيما ما رواه أبو بكر من قول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم « الأئمة من قريش » فإنّ كثيرا من الناس توهّموا أنه ناسخ للنص الخاص ، وأنّ معنى الخبر أنّكم مباحون في نصب إمام من قريش من أيّ بطون قريش كان فانهّ يكون اماما ، وأكّد أيضا في نفوسهم رفض النص الخاص ، ما سمعوه من قول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » وقوله : « سألت اللّه ألّا يجمع امّتي على ضلال فأعطانيها » فأحسنوا الظن بعاقدي البيعة ، وقالوا : هؤلاء أعرف بأغراض النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم من كل أحد . فامسكوا وكفّوا عن الإنكار ، ومنهم فرقة أخرى وهم الأكثرون أعراب وجفاة وطغام ، أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح . فهؤلاء مقلّدون لا يسألون ، ولا ينكرون ، ولا يبحثون ، وهم مع أمرائهم وولاتهم ، لو أسقطوا عنهم الصلاة الواجبة لتركوها فلذلك امحق النص ، وخفي ، ودرس ، وقويت كلمة العاقدين لبيعة أبي بكر ، وقوّاها زيادة على ذلك اشتغال علي عليه السلام وبني هاشم بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم وإغلاق بابهم عليهم ، وتخليتهم الناس يعملون ما شاءوا وأحبّوا من غير مشاركة لهم في ما هم فيه ، لكنهم أرادوا استدراك ذلك بعد ما فات ، وهيهات الفائت لا رجعة له ، وأراد علي عليه السلام بعد ذلك نقض البيعة فلم يتمّ له ذلك ، وكانت العرب لا ترى الغدر ، ولا تنقض البيعة صوابا كانت أو خطأ ، وقد قالت له الأنصار وغيرها : أيّها الرجل لو دعوتنا إلى نفسك قبل البيعة لما عدلنا بك أحدا ، ولكنّا بايعنا فكيف السبيل إلى نقض البيعة بعد وقوعها .