الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
180
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أبي بكر برأيهم في ذلك واستصلاحهم . وهم الّذين هدموا المسجد بالمدينة ، وحوّلوا المقام بمكة ، وعملوا بمقتضى ما تغلب في ظنونهم من المصلحة ، ولم يقفوا مع موارد النصوص حتّى اقتدى بهم الفقهاء . فرجّح كثير منهم القياس على النص حتى استحالت الشريعة ، وصار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة . وأكثر ما كانوا يعملون بآرائهم في ما يجري مجرى الولايات والتأمير والتدمير ، وتقرير قواعد الدولة ، وما كانوا يقفون مع نصوص النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وتدبيراته إذا رأوا المصلحة في خلافها ، كأنّهم كانوا يقيّدون نصوصه المطلقة بقيد غير مذكور لفظا ، وكانّهم كانوا يفهمونه من قرائن أحواله ، وتقدير ذلك القيد : « افعلوا كذا ان رأيتموه مصلحة » . فأمّا مخالفتهم له في ما هو محض الشرع والدين ، وليس يتعلّق بأمور الدنيا وتدبيراتها فإنهّ يقلّ جدا ، نحو أن يقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم : الوضوء شرط في الصلاة فيجمعوا على ردّ ذلك ، ويجيزوا الصلاة من غير وضوء ، أو يقول صوم شهر رمضان واجب فيطبقوا على مخالفة ذلك ويجعلوا شوّالا عوضا عنه . فإنه بعيد إذ لا غرض لهم فيه ، ولا يقدرون على اظهار مصلحة عثروا عليها خفيت عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم . قال : والقوم الّذين كانوا قد غلب على ظنونهم أنّ العرب لا تطيع عليا عليه السلام فبعضها للحسد ، وبعضها للوتر والثأر ، وبعضهم لاستحداثهم سنهّ ، وبعضهم لاستطالته عليه السلام عليهم ورفعه عنهم ، وبعضهم لكراهية اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد ، وبعضهم للخوف من شدّة وطأته ، وشدتّه في دين اللّه ، وبعضهم لرجاء تداول قبائل العرب الخلافة إذا لم يقتصر بها على بيت واحد مخصوص فيكون رجاء كل حي لوصولهم إليها ثابتا مستمرا ،