الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
475
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وإذا نظروا إلى حسن تمام أمر النبيّ صلى اللّه عليه وآله وانتظام مراده الّذي قصده ، وأنهّ نشأ بين قوم يتجاذبون العزّ والمنعة ، ويتنافسون في التقدمة والرفعة ، ويأنفون من العار والشنعة ، ولا يعطون لأحد إمرة وطاعة ، فلم يزل بهم حتّى قادهم إلى أمره وساقهم إلى طاعته ، واستعبدهم بما لم يكونوا عرفوه ، وأمرهم بهجران ما ألفوه ، إلى أن صاروا يبذلون أنفسهم دون نفسه ويسلّمون لقوله ، ويأتمرون لأمره من غير أن كان له ملك خافوه ، ولا مال أملّوه ، ففتح بهم البلاد ، وأذعن له ملوك العباد ، ونفذ أمره في الأنفس والأموال ، والحائل والأولاد . قالوا : إنّما تمّ له ذلك لأنهّ فاق العالمين بكمال عقله ، وحسن تدبيره ورأيه ، ولم يكن ذلك في أحد غيره ، ففضلّوه بهذا أيضا على الخلق أجمعين ، وأوجبوا له التقدّم على العالمين . وإذا سمعوا المشتهر من عدله ونصفته ، وحسن سيرته في أمتّه ورعيتّه ، وأنهّ لا يكلّف أحدا شيئا في ماله ، وإذا حصلت المغانم فرّقها في أمتّه ، وقنع من عيشه بدون كفايته ، هذا مع سخاوته وكرمه ، وإيثاره على نفسه ، ووفائه بوعده ، وصدق لهجته ، واشتهاره منذكان بأمانته ، وشريف طريقته ، وحسن عفوه ومسامحته ، وجميل صبره وحلمه ، قالوا : كان أزهد الناس ، وأعلاهم قدرا في العدل والإنصاف ، ولا طريق إلى انكار إحاطته بالفضائل الكرام ، والمناقب التوام ، ففضلّوه في جميع هذه الأمور على الخلق أجمعين ، وأوجبوا له التقدم على العالمين . فإذا قيل لهم : فهذه العلوم العظيمة متى أدركها ، وفي أيّ زمان جمعها وتلقّطها ، وأيّ قلب يعيها ويحفظها ، وهل رئي بشر قط يحيط بجميع الفضائل ، ويتقدّم العالمين كافة في سائر المناقب ، ويكون أوحد الخلق في كمال العقل