الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
456
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
فقال النبيّ صلى اللّه عليه وآله : اللّهمّ أنت السامع لكلّ صوت ، والعالم بكلّ شيء ، تعلم ما قاله عبادك ، فأنزل تعالى عليه : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ . . . رَجُلًا مَسْحُوراً ( 1 ) ، ثمّ قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ( 2 ) ، ثم قال : تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ( 3 ) ، وأنزل عليه : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ . . . ( 4 ) ، وأنزل : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ . . . وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 5 ) . فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وآله : أمّا ما ذكرت من أنّي آكل كما تأكلون وزعمت أنهّ لا يجوز لرجل هكذا أن يكون للهّ رسولا ، فإنّما الأمر للهّ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو محمود ، وليس لك ولا لأحد الاعتراض عليه بلم وكيف ، فإنّ اللّه أفقر بعضا ، وأغنى بعضا ، وأعزّ بعضا ، وأذلّ بعضا ، وأصحّ بعضا ، وأسقم بعضا ، وشرّف بعضا ، ووضع بعضا ، وكلّهم ممّن يأكل الطعام . ثمّ ليس للفقراء أن يقولوا : لم أفقرتنا ، وأغنيتهم ، ولا للوضعاء أن يقولوا : لم وضعتنا وشرّفتهم ، ولا للزمني والضعفاء أن يقولوا : لم أزمنتنا وأضعفتنا وصحّحتهم ، ولا للأذلّاء أن يقولوا : لم أذللتنا ، وأعززتهم ، ولا لقباح الصور أن يقولوا : لم قبّحتنا وجمّلتهم ، بل إن قالوا ذلك كانوا على ربّهم رادّين ، وله في أحكامه منازعين ، وبه كافرين ، ولكان جوابه لهم : أنا الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعزّ
--> ( 1 ) الفرقان : 7 - 8 . ( 2 ) الاسراء : 48 . ( 3 ) الفرقان : 10 . ( 4 ) هود : 12 . ( 5 ) الأنعام : 8 - 9 .