الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
34
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 1 ) ، وظنّ بظاهر هذا القول تحقّق ما رواه أهل التناسخ والحشوية والعامة في إنطاق الذرّية وخطابهم ، وأنّهم كانوا أحياء ناطقين ، فالجواب عنه : أنّ هذه الآية من المجاز في اللّغة ، كنظائرها ممّا هو مجاز واستعارة والمعنى فيها : أنّ اللّه تعالى أخذ من كلّ مكلّف يخرج من صلب آدم وظهور ذريتّه العهد عليه بربوبيتّه من حيث أكمل عقله ، ودلهّ بآثار الصنعة فيه على حدثه ، وأنّ له محدثا أحدثه لا يشبهه أحد يستحقّ العبادة منه بنعمته عليه . فلذلك هو أخذ العهد منهم ، وآثار الصنعة فيهم ، والإشهاد لهم على أنفسهم بأنّ اللّه تعالى ربّهم ، وقوله تعالى : . . . قالُوا بَلى . . . ( 2 ) يريد أنهّ لم يمتنعوا من لزوم آثار الصنعة فيهم ، ودلائل حدوثهم اللازمة لهم ، وحجّة العقل عليهم في إثبات صانعهم ، فكأنّ سبحانه كما ألزمهم الحجّة بعقولهم على حدوثهم ووجود محدثهم ، قال لهم : . . . أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ . . . ( 3 ) . فلمّا لم يقدروا على الامتناع من لزوم دلائل الحدوث لهم ، كأنّهم قائلون : . . . بَلى شَهِدْنا . . . وقوله تعالى : . . . أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 4 ) . ألا ترى أنهّ تعالى احتجّ عليهم بما لا يقدرون يوم القيامة إن تناولوا في إنكاره ، ولا يستطيعون ، وقد قال سبحانه : . . . وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ . . . ( 5 ) ، ولم يروا أنّ المذكور يسجد سجود البشر في الصلاة ، وإنّما أراد أنهّ غير ممتنع من فعل اللّه ، فهو كالمطيع للهّ ، وهو يعبّر عنه بالساجد .
--> ( 1 ) الأعراف : 172 . ( 2 ) الأعراف : 172 . ( 3 ) الأعراف : 172 . ( 4 ) الأعراف : 173 . ( 5 ) الحج : 18 .