الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
355
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
محمّدا صلى اللّه عليه وآله لمّا دعا إلى الايمان باللهّ والتوحيد كنّا أهل البيت أوّل من آمن به ، وصدّق بما جاء به ، فلبثنا أحوالا مجرّمة وما يعبد اللّه في ربع ساكن من العرب غيرنا ، فأراد قومنا قتل نبيّنا واجتياح أصلنا ، وهمّوا بنا الهموم وفعلوا بنا الأفاعيل ، فمنعونا الميرة ، وأمسكوا عنّا العذب ، وأحلسونا الخوف ، وجعلوا علينا الارصاد والعيون ، واضطرّونا إلى جبل وعر ، وأو قدوا لنا نار الحرب ، وكتبوا علينا بينهم كتابا : لا يؤاكلونا ، ولا يشاربونا ، ولا يناكحونا ، ولا يبايعونا ، ولا نأمن فيهم حتّى ندفع النبيّ صلى اللّه عليه وآله فيقتلوه ، ويمثّلوا به . فلم نكن نأمن فيهم إلّا من موسم إلى موسم ، فعزم اللّه لنا على منعه ، والذبّ عن حوزته ، والرمي من وراء حرمته ، والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف ، بالليل والنهار ، فمؤمننا يرجو بذلك الثواب ، وكافرنا يحامي به عن الأصل ، فأمّا من أسلم من قريش بعد ، فإنّهم ممّا نحن فيه أخلياء ، فمنهم حليف ممنوع أو ذو عشيرة تدافع عنه ، فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التلف ، فهم من القتل بمكان نجوة وأمن . فكان ذلك ما شاء اللّه أن يكون ، ثمّ أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وآله بالهجرة ، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين فكان إذا احمّر البأس ، ودعيت نزال أقام أهل بيته ، فاستقدموا فوقى بهم أصحابه حرّ الأسنّة والسيوف ، فقتل عبيدة يوم بدر ، وحمزة يوم أحد ، وجعفر وزيد يوم مؤتة . . . ( 1 ) قول المصنّف « ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية » أقول : جوابا عن كتاب كتبه معاوية إليه عليه السّلام مع أبي مسلم الخولاني ، وفيه : « إنّ اللّه اصطفى محمّدا بعلمه وجعله الأمين على وحيه والرسول إلى خلقه ، واجتبى له من المسلمين أعوانا أيدّه اللّه بهم ، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الاسلام ، فكان أفضلهم في إسلامه وأنصحهم للهّ ولرسوله الخليفة من بعده ، وخليفة
--> ( 1 ) أخرجه ابن مزاحم أيضا في ضمن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية في وقعة صفين : 89 .