الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

287

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس ، وكانوا من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم ، وبلادهم لسوء حالهم ، وشظف عيشهم ، فسار جمع عظيم منهم في البحر من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمة ، حتّى أناخوا على إيران شهر وسواحل أردشير خره وأسياف فارس ، وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم ، وأكثروا الفساد في تلك البلاد ، فمكثوا على ذلك من أمرهم حينا لا يغزوهم أحد من الفرس ، لعقدهم تاج الملك على طفل حتّى تحرّك سابور وترعرع . . . ثمّ انتخب سابور ألف فارس من صناديد جنده ، وأبطالهم ، وتقدّم إليهم في المضيّ لأمره ونهيه ، ونهاهم عن الإبقاء على ما لقوا من العرب والعرجة على إصابة مال ، ثمّ سار بهم ، فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارّون ، وقتل منهم أبرح القتل ، وأسر أعنف الأسر ، وهرب بقيّتهم ، ثمّ قطع البحر في أصحابه ، واستقرى بلاد البحرين يقتل أهلها ، ولا يقبل فداء ، ولا يعرج على غنيمة ، ثمّ مضى على وجهه ، فورد هجرو بها ناس من أعراب تميم ، وبكر بن وائل وعبد القيس ، فأفشى فيهم القتل ، وسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر ، حتّى كان الهارب منهم يرى أنهّ لن ينجيه منه غار في جبل ، ولا جزيرة في بحر ، ثمّ عطف إلى بلاد عبد القيس فأباد أهلها إلّا من هرب منهم ، فلحق بالرمال ، ثمّ أتى اليمامة فقتل بها مثل تلك المقتلة ، ولم يمرّ بماه من مياه العرب إلّا غورّه ، ولا جبّ من جبابهم إلّا طمهّ ، ثمّ أتى قرب المدينة ، فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر ، ثمّ عطف نحو بلاد بكر وتغلب في ما بين مملكة فارس ، ومناظر الروم بأرض الشام ، فقتل من وجد بها من العرب وسبى وطمّ مياههم ، وأنهّ أسكن من البحرين دارين ، واسمهما : هيج والخط ، ومن كان من عبد القيس وطوائف من تميم وهجر ، ومن كان من بكر بن وائل كومان ، وهم الّذين يدعون بكر أبان ، ومن كان