الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
273
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
فَلَعَنَ اللَّهُ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي وَالْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهِي . أَلَا وَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الْإِسْلَامِ - وَعَطَّلْتُمْ حدُوُدهَُ وَأَمَتُّمْ أحَكْاَمهَُ « واعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل عليهم السلام » قال ابن أبي الحديد : إنهّ ذكر عليه السّلام في هذه الكلمات المقهورين والقاهرين جميعا . أما المقهورون فبنو إسماعيل ، وأمّا القاهرون فبنو إسحاق وبنو إسرائيل ، لأنّ الأكاسرة من بني إسحاق ، ذكر كثير من أهل العلم أنّ فارس من ولد إسحاق والقياصرة من ولد إسحاق أيضا ، لأنّ الروم بنو العيص بن إسحاق ، وعلى هذا يكون الضمير في أمرهم وتشتتهم وتفريقهم يرجع إلى بني إسماعيل خاصة ، فإن قلت : فبنو إسرائيل أيّ مدخل لهم هاهنا قلت : لأنّ بني إسرائيل لمّا كانوا ملوكا بالشام في أيّام أجاب الملك وغيره ، حاربوا العرب من بني إسماعيل غير مرّة وطردوهم عن الشام ، وألجئوهم على المقام ببادية الحجاز ، ويصير تقدير الكلام : فاعتبروا بحال ولد إسماعيل مع بني إسحاق وبني إسرائيل ( 1 ) . قلت : ما ذكره خارج عن طريق المحاورة ، فإنّ مقتضى السّياق كون الأكاسرة والقياصرة مسلّطين على ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل ، ويفعلون بهم ما شاءوا ، وكون الأكاسرة والقياصرة غير ولد إسماعيل ، وغير بني إسحاق وبني إسرائيل ، وكيف جعل بني إسرائيل من القاهرين ، والقرآن ناطق بمقهوريتهم مثل بني إسماعيل ، بل أشدّ وكيف لا وقد قال عزّ وجلّ فيهم : . . . وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ . . . ( 2 ) ، وقال تعالى : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً . فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا
--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 241 . ( 2 ) البقرة : 61 .