الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
17
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ ( 1 ) فلو كانا من بني إسرائيل لم يحتج القاتل إلى أن يرى غرابا ، لأنّ الدفن في الأرض كان أمرا شائعا من أوّل الدّنيا ، وأمّا الخبر فحيث لم يكن قطعيّ السّند ، يمكن الخصم ردهّ . ولعل الحسن توهمه من قوله تعالى بعد : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أنَهَُّ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً . . . ( 2 ) إلّا أنهّ كما ترى . ونقل الطبري في سبب قتل قابيل لهابيل أقوالا ، منها : أنهّ لم تكن التوأمة محرّمة ، فقرّب قابيل وهابيل قرباناً أيّهما أحقّ بتوأمة قابيل التي كانت أحسن من توأمة هابيل ، وروى في ذلك خبرا عن السّدي عن جمع ، ومنها : أنّ السبب كان مجرّد قبول فدية هابيل دونه ، وروى عن عبد اللّه بن عمر قال : إنّ ابني آدم اللّذين قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ( 3 ) كان أحدهما صاحب حرث ، والآخر صاحب غنم ، وأنّهم أمرا أن يقرّبا قرباناً ، وأنّ صاحب الغنم قرّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه ، وأنّ صاحب الحرث قرّب شرّ حرثه الكوذر والزوان غير طيبة بها نفسه ، وأنّ اللّه تعالى تقبّل قربان صاحب الغنم ، ولم يتقبّل قربان صاحب الحرث . وروى عن ابن عبّاس قال : كان من شأنهما أنهّ لم يكن مسكين يتصدّق عليه ، وإنّما كان القربان يقربّه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا : لو قرّبنا قربانا . وكان الرجل إذا قرّب قربانا فرضيه تعالى أرسل إليه نارا فأكلته ، وإن لم يكن رضيه اللّه خبت النار ، فقرّبا قربانا ، وكان أحدهما راعيا والآخر حرّاثا . . . فنزلت فأكلت الشاة وتركت الزرع ،
--> ( 1 ) المائدة : 31 . ( 2 ) المائدة : 32 . ( 3 ) المائدة : 27 .