الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

137

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

الخلّة أو الخلّة ، فأمّا الخلّة فإنّما معناها الفقر والفاقة ، فقد كان خليلا ، أي : إلى ربهّ فقيرا وإليه منقطعا ، وعن غيره متعفّفا معرضا مستغنيا ، وذلك لمّا أريد قذفه في النار ، فرمي به في المنجنيق ، فبعث اللّه إلى جبرئيل أدرك عبدي ، فجاء فلقيه في الهواء ، فقال : كلّفني ما بدا لك ، قد بعثني اللّه لنصرتك . فقال : بل حسبي اللّه ونعم الوكيل ، إنّي لا أسأل غيره ، ولا حاجة لي إليك . فسماّه خليله ، أي : فقيره ومحتاجه ، والمنقطع إليه عمّن سواه ، وإذا جعل معنى ذلك من الخلّة وهو أنهّ قد تخلّل معانيه ، ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره ، كان معناه العالم به وبأموره ، ولا يوجب ذلك تشبيه اللّه بخلقه ، ألا ترون أنهّ إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله ، وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله ، وإنّ من يلده الرّجل وإن أهانه وأقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده ، لأنّ معنى الولادة قائم ثمّ إن وجب لأنهّ قال : إبراهيم خليلي ، أن تقيسوا أنتم فتقولون : إنّ عيسى ابنه ، وجب أيضا كذلك أن تقولوا لموسى أنهّ ابنه ، وأن يجوز أن تقولوا على هذا المعنى : إنهّ شيخه وسيدّه وعمهّ ورئيسه وأميره كما ذكرته اليهود . فقال بعضهم لبعض : وفي الكتب المنزلة أنّ عيسى قال : « أذهب إلى أبي » . فقال لهم النبيّ صلى اللّه عليه وآله : فان كنتم بذلك الكتاب تعملون ، فانّ فيه : « أذهب إلى أبى وأبيكم » ، فقولوا : إنّ جميع الّذين خاطبهم عيسى كانوا أبناء اللّه ، كما كان عيسى ابنه من الوجه الّذي كان عيسى ابنه ، ثمّ إنّ ما في هذا الكتاب مبطل عليكم هذا الّذي زعمتم أنّ عيسى من جهة الاختصاص كان ابنا له لأنّكم قلتم : إنهّ ابنه لأنهّ اختصهّ بما لم يختصّ به غيره ، وأنتم تزعمون أنّ الذي خصّ به عيسى لم يخصّ به هؤلاء القوم الّذين قال لهم عيسى : « أذهب إلى أبي وأبيكم » ، فبطل أن يكون الاختصاص لعيسى ، لأنهّ قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى ، وأنتم إنّما حكيتم لفظة عيسى وتأوّلتموها على غير