الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
91
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وأعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضا كيف تؤاتيه وتطاوعه سلسلة سهلة ، تتدفّق من غير تعسّف ولا تكلّف ، حتّى انتهى إلى آخر الفصل . فقال : يوما واحدا ولا التقى بهم أبدا . وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة وتارة مجرورة وتارة منصوبة ، فإنّ أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف أثر بيّن وعلامة واضحة ، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر ، قال : انظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة : الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلا ، ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما . ثم إنّ فواصل كلّ واحدة منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكليفية . ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل كيف قال : « ولدا ناصحا ، وعاملا كادحا ، وسيفا قاطعا ، وركنا دافعا » ، لو قال : « ولدا كادحا وعاملا ناصحا » وكذلك ما بعده لما كان صوابا ولا في الموقع واقعا ، فسبحان من منح هذا الرجل بهذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ، أن يكون غلام من أبناء عرب مكّة ينشأ بين أهله لم يخالط الحكماء ، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهيّة من أفلاطون وأرسطو ، ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية ، لأنّ قريشا لم يكن أحد منهم مشهورا بمثل ذلك ، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط ، ولم يربّ بين الشجعان لأن أهل مكّة كانوا ذوي تجارة ولم يكونوا ذوي حرب ، وخرج أشجع من كلّ بشر مشى على الأرض ، قيل لخلف الأحمر : أيّما أشجع عنبسة وبسطام أم علي بن أبي طالب فقال : إنّما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس ، لا مع من يرتفع عن