الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
60
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهنّ ، ثلاث منها في المناجاة ، وثلاث منها في الحكمة ، وثلاث منها في الأدب ، فأمّا اللاتي في المناجاة فقال : اللّهمّ كفى بي عزّا أن أكون لك عبدا ، وكفى بي فخرا أن تكون لي ربّا . أنت كما أحب فاجعلني كما تحبّ . وأمّا اللاتي في الحكمة فقال : قيمة كلّ امرئ ما يحسنه ، وما هلك امرؤ عرف قدره ، والمرء مخبوء تحت لسانه . وأمّا اللاتي في الأدب فقال : امنن على من شئت تكن أميره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمّن شئت تكن نظيره ( 1 ) . وقال ابن أبي الحديد عند قوله عليه السّلام : « سلكوا في بطون البرزخ . . . » : لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس وتلي عليهم هذا الكلام ، ينبغي أن يسجد واله كما سجد الشعراء لقول عديّ بن الرقاع : قلم أصاب من الدواة مدادها فلمّا قيل لهم في ذلك ، قالوا : إنّا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن ( 2 ) . هذا ، وفي ( الأغاني ) : كان إبراهيم بن المهدي شديد الانحراف عن عليّ عليه السّلام فقال يوما للمأمون : إنّي رأيت عليّا في النوم ، فقلت له : من أنت فقال : عليّ . فمشينا حتّى جئنا قنطرة ، فذهب يتقدّمني لعبورها فأمسكته ، وقلت له : إنّما أنت رجل تدّعي هذا الأمر بامرته ، ونحن أحقّ به منك . فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يوصف عنه . فقال له المأمون : وأي شيء قال لك فقال : ما زادني على أن قال : سلاما سلاما . فقال له المأمون : قد واللّه أجابك أبلغ جواب . قال : وكيف قال : عرّفك أنّك جاهل لا يجاوب مثلك ، قال تعالى : . . . وَإِذا
--> ( 1 ) أخرجه الصدوق في الخصال : 420 ح 14 . ( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 51 شرح الخطبة ( 219 ) .