الفيض الكاشاني

60

الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )

فقال كميل : أو مثلك يخيّب سائلًا ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة . فقال : زدني فيه بياناً . فقال : محو الموهوم مع صحو المعلوم . فقال : زدني بياناً . فقال : هتك الستر لغلبة السرّ . فقال : زدني بياناً . فقال : جذب الأحديّة لصفة التوحيد . فقال : زدني بياناً . فقال : نور يشرق من صبح الأزل فيلوح على هياكل التوحيد آثاره . قال : زدني . قال : أطف السراج فقد طلع الصبح ) « 1 » . « 2 »

--> ( 1 ) - نور البراهين ، ج 1 ، ص 221 ( 2 ) - قال الشيخ جواد بن عباس الكربلائي في الأنوار الساطعة في شرح الزيارة الجامعة ما ملخّصه : قوله رضي الله عنه : ما الحقيقة ؟ إنّ الحقيقة المسؤول عنها ، لا يُراد منها ذاته المقدسة ؛ لأنّه لا معنى للسؤال عن حقيقة ذاته ، التي لا يمكن التعرف عليها مطلقاً لكلّ أحد ، خصوصاً من مثل كميل الذي هو من أصحاب السرّ لأمير المؤمنين عليه السلام العارف بهذا الأمر ، بل المراد منها التوحيد الحقيقي وظهوره الحقيقي في عالم الكون وفي قلوب الأولياء بنحو الأتمّ الأكمل . لمّا سأل عن الحقيقة ردعه عليه السلام بأنّك لبعيد عن درك معناها ، لغموضها ولاختصاصها بالأولياء المقرّبين الكمّلين من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ، فأثّر هذا الردع في قلب كميل ، فازداد عطشه في فهمها مع علمه ، بأنّه عليه السلام قادر بأن يمنحه فهمها ويرقيه إلى درجة درك هذا المعنى . وذلك بما أعطاه اللَّه تعالى من الولاية المطلقة ، التي من آثارها التصرّف في كميل ، بحيث يرتقى إلى مقام إمكان درك هذا المعنى ، بل وإلى وجدانه ولذا قال مستلطفاً ومسترحماً : ( أَ وَلست صاحب سرّك ؟ ) ، أي أنّى طال ما رويت من عذب ماء معارفك ووقفت على بعض أسرارك ، وعلمت من علومك التي أسعفتني بها ، فكيف تمنعني حينئذ عن كشف هذا المعنى وبيان هذا السرّ ؟ فقال عليه السلام في جوابه : ( بلى ، ولكن يرشّح عليك ما يطفح منّي ) . قوله عليه السلام : ( الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة ) ، سبحات الجلال بضمّ السين جمع سجة بمعنى النور . وأيضاً يراد منه الجلال والعظمة ، ومعلوم أنّ ذاته المقدسة محتجب بهذه الأشعّة الجلاليّة والجماليّة . وقال عليه السلام : ( يا من احتجب بشعاع نور عن نواظر خلقه ) ومعلوم أنّ شدّة النور وزيادته ، تكون مانعاً عن شهود من له النور . وهذا أمر ظاهر وحينئذ نقول : التوحيد الحقيقي الكشفي الذي هو المسؤول عنه . والمراد به من الحقيقة إنّما يكون لأحد ، إذا انكشف عن قلبه أنوار الجلال الحاجبة له . وهذا لا يكون إلّافي قلب الموحّد ، حيث إنّه لا ظهور للتوحيد الحقيقي إلّافيه . لمّا بيّن عليه السلام الحقيقة بقوله السابق ، وعلم منه كميل ما علم بعلم اليقين أراد أن يعلم بحقّ اليقين ، فقال ملتمساً منه عليه السلام المزيد للبيان : ( زدني بياناً ) ، لما علم أنّه عليه السلام فاتح كلّ علم ومبين كلّ سرّ ، كما قال عليه السلام لكميل في حديث آخر مفصّل رواه في تحف العقول : ( يا كميل ما من علم إلّاوأنا أفتحه ، وما من سرّ إلّاوالقائم يختمه ، يا كميل لا تأخذ إلّاعنّا تكن منّا ) . فقال عليه السلام : ( محو الموهوم مع صحو المعلوم ) ، فالحقيقة هو ظهور الحقّ المعلوم وصحوه في ظرف محو الموهوم ، أي إزالة الموجودات الوهميّة ، فعلم أنّ المراد من المعلوم هو الحقّ تعالى وتوحيده المعلوم في هذه الحالة . وقد علمت أنّ هذا يكون منه تعالى لعبده ، ولهذا عبّر عليه السلام في جميع الجمل بصيغة المصدر المنبيء عن تحقّق الفعل من دون