الفيض الكاشاني
32
الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )
--> - ولا بكنهه ولا بوصفه ؛ بل يعجز الخلق عن معرفته . وذلك قوله عليه السلام : ( ما عرفناك حقّ معرفتك ، وما عبدناك حقّ عبادتك ) . وذلك قوله : ( العجز عن معرفتك كمال معرفتك ) . وذلك قوله عليه السلام : ( وعجزت العقول عن بلوغ معرفتك ) . وذلك قوله عليه السلام : ( وعجزت الأوهام عن إدراك كنه جمالك ) . الثاني : أنّه يعني من عرف نفسه ؛ أنّها محتاج صرف من جميع الجهات في كلّ الحالات ، فيعرف عن ذلك أنّ المحتاج يحتاج إلى غيره الأكمل من ذلك ؛ لأنّه بديهي أنّ المحتاج لابدّ له من المحتاج إليه . ثمّ المحتاج إليه لا يخلو إمّا صفته ذلك ، وإمّا الغناء والاستغناء عن ذلك من جميع الجهات . فالأوّل كالأوّل ، فهو أيضاً يحتاج إلى آخر ، فهلم جرّاً فيتسلسل وهو باطل ، فبطل الأوّل فبقي الثاني وهو أن يكون المحتاج إليه غنيّاً مطلقاً من جميع الجهات ، فهو ليس إلّاالواجب بالذات ، فحينئذ عرف الواجب بمعرفة النفس . وكذلك عرف كونه غنيّاً مطلقاً بها ، وعرف كون النفس محتاجاً محضاً بها . فذلك معنى قوله : ( من عرف نفسه فقد عرف ربّه ) ، فافهم . الثالث : أنّه يعني من عرف نفسه ؛ أنّها أثر ومخلوق وليس موجوداً بالذات ، بل موجود بالغير . يعرف بذلك أنّه لابدّ له من مؤثّر وموجد وخالق ؛ لأنّ معرفة النفس حينئذ صار سبباً لمعرفة الربّ ، فالنفس حينئذ يصير دليلًا لمعرفة الربّ وآية لها . وذلك قوله : « البعرة تدلّ على البعير ، وأثر الأقدام يدلّ على السير » . الرابع : أنّه من عرف نفسه ؛ أنّها قد يغلب على عقله وقد يغلب عقله على نفسه ففي الأوّل يفعل القبيح وفي الثاني يفعل الحسن . وفي الأوّل يملّ وفي الثاني يسرّ ويفرح ، فيعرف عن ذلك الحسن والقبح ، ويعرف عن ذلك أنّ فعل الحسن حسن وفعل القبيح قبيح ، فيجتنب عن فعل القبيح ويحكم أنّ الحرى للعاقل أن لا يفعل القبيح ، فيعلم من ذلك أنّ الخالق الواجب المطلق لا يفعل القبيح . ومن جملته الظلم فلا يفعله أيضاً ، فيعرف ربّه حينئذ أنّه لا يفعل القبيح ، ولا يفعل الظلم . الخامس : أنّه من عرف نفسه ؛ بأنّها ذات مراتب عديدة وأنحاء كثيرة كأنحاء السبعة وهي : النفس الأمّارة ، والنفس اللوّامة ، والنفس المطمئنّة ، والنفس الملهمة ، والنفس المرضيّة ، والنفس الراضيّة ، والنفس الكاملة . يعرف أنّ لكلّ واحد منها آثاراً ومقتضيات مختلفة بعضها مهلكة وبعضها منجية ، فحينئذ يكون مضطرّاً وملجأ أن يلتجأ إلى من خلقها وأقرّها فيه وسلّطها عليه ، فحينئذ يرى نفسه غالباً عليه ، فحينئذ صار ملتجأ إلى ربّه بنهاية الالتجاء في جميع الحال ، ويستعينه في كلّ حالاته . وذلك كمال المعرفة لها لربّه . السادس : أنّه من عرف نفسه ؛ أنّها ذات مراتب مختلفة يعرف أنّ ربّه سبحانه لا يتّصف بها ؛ لأنّه لو كان متّصفاً بها لكان مثلنا وكان متغيّر الأحوال بتغيّر حال النفس ، فلا يستحقّ حينئذ بالربوبيّة ، فيعرف حينئذ أنّ ربّه لا يتّصف بوصف النفس فلا يكون نفس ، فحينئذ يعرف ربّه ، وحينئذ صار موحّداً كاملًا . لقوله عليه السلام : ( كمال التوحيد نفي الصفات عنه ) ، أي نفي صفات الممكن ونفي صفات المخلوق ، فحينئذ يتميّز الخالق من المخلوق والواجب عن الممكن ، وذلك هو التوحيد . لقوله عليه السلام : ( التوحيد تمييزه عن خلقه ) ، فتمييزه عن خلقه عبارة عن كونه سبحانه لا شريك له ، ولا ندّ له ، ولا مثل له ، لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا [ في ] فعله ، ولا في عبادته . وذلك هو المعرفة الكاملة ، وذلك هو التوحيد الكامل والوحدانيّة الخالص . وذلك قوله عليه السلام : ( من عرف نفسه فقد عرف ربّه ) ، أي بالكمال وبعدم الشريكيّة ، وبعدم المثاليّة ، وبعدم -