الفيض الكاشاني
264
الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )
ذلك طلباً للرئاسة ، وأوقعوا الخلاف والمنازعة بين الأمّة ، فهم يهدمون الشريعة ويوهمون من لا يعلم أنّهم ينصرونها . وبهذه الأسباب تفرّقت الأمّة وتخرّبت ووقع بينهم العداوات ، وتأدّى إلى الفتن والحروب ، واستحلّ بعضهم دماء بعض . قال : ولا يتمكّن من يعرف الحقّ من العلماء أن يبيّن للعوام كيف جرى الأمر في الشريعة ويوقظهم عمّا هم فيه ، لإلفهم بما قد نشأوا عليه خلفاً عن سلف . قال : والرؤساء الجهّال فيهم يتزايدون في كلّ يوم ، واختلافاتهم تزيد ، واحتجاجاتهم ومناظراتهم وجدلهم تكثر حتّى هجروا أحكام الشريعة وغيّروا كتاب اللَّه بتفسيرهم له بخلاف ما هو ، كما قال سبحانه : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » « 1 » . وفي أصل أمرهم قد خرّبوا الأمّة من حيث لا يشعرون ، وتأوّلوا أخبار الرسول بتأويلات اخترعوها من تلقاء أنفسهم ما أنزل اللَّه بها من سلطان ، وقلبوا المعاني وحملوها على ما يريدون ممّا يقوّي رئاستهم ، وتفسيق أهل العلم دأبهم عند العوام يتوارث ابن عن أب ، وخلف عن سلف ، إلى أن يشاء اللَّه إهلاكهم وانقراضهم . ولم يزل هؤلاء الذين هم علماء العوام أعداء الحقّ في كلّ أمّة وقرن ، فكم من نبي قتلوه ، ووصي جحدوه ، وعالم شرّدوه ، فهم بأفعالهم هذه كانوا أسباباً في نسخ الشرائع وتجديدها في سالف الدهور إلى أن يتمّ ما وعد اللَّه بقوله : « إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ » « 2 » ، « وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » « 3 » ، « وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ » « 4 » . فهذه العلّة هي السبب
--> ( 1 ) - النساء : 46 . ( 2 ) - إبراهيم : 19 - 20 . ( 3 ) - الأعراف : 128 . ( 4 ) - الأنبياء : 105 - 106 .