الفيض الكاشاني

245

الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )

--> - ومن جملة ما جاء به رسول اللَّه هو تعيين أوصيائه بعده بحكم اللَّه تعالى وأمره ؛ لأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال اللَّه تعالى في شأنه : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » [ النجم : 3 - 4 ] . ولا شكّ أنّ تعيين خليفة رسول اللَّه بعده من المصالح العامّة ومن أهم المهمّات في أمر الدين والدنيا ، فيكون متوفّر الدواعي . ولا شكّ أن مثل هذا الأمر العظيم يجب على اللَّه تعالى وعلى رسوله بيانه وإظهاره على المكلّفين بياناً شافياً وإظهاراً واضحاً ، على ما فعله سيّد المرسلين يوم الغدير . ويصدق عليه أنّه لا يكون داخلًا في زمرة المؤمنين المفلحين الناجين ، فيكون من الفرقة الضالّة الهالكة ويكون داخلًا في الذين قال اللَّه تعالى في حقّهم : « قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا » [ الحجرات : 14 ] . ويكون أيضاً داخلًا في الذين قال اللَّه تعالى في حقّهم : « وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا » [ الأنعام : 70 ] . وبالجملة المخالفون جعلوا العقل معزولًا صرفاً وصاروا من أمّة الوهم وحزب الأهواء ، فأخرجوا أنفسهم من طبقة العقلاء ودخلوا في فرقة السفهاء ، فذرهم في طغيانهم يعمهون : « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ » [ الشعراء : 227 ] ؛ لأنّك قد عرفت أن نصب حاكم معصوم منصوب من قبل اللَّه تعالى في كلّ عصر وزمان ضروري لخلقة الإنسان ، على ما عرفت مشروحاً بالبرهان وهو موافق لما في الكتب السماويّة ، على ما هو مذكور في صحف إبراهيم وموسى . وقد عرفت أيضاً أنّ الواجب جل شأنه حكيم على الإطلاق ولا يصحّ إيجاد الإنسان من الحكيم على الإطلاق إلّابنصب الحاكمين المذكورين شرحاً وبسطاً وإلّا يلزم تطرق الاختلال على الحكمة البالغة ، فمن عرف نفسه الإنسانيّة بأنّها لا يتمّ إيجادها ولا يصحّ وجودها من الحكيم على الإطلاق بدون حاكم إنساني معصوم منصوب من قبل اللَّه تعالى ، فقد عرف ربّه حقّ العرفان ويكون داخلًا في زمرة أهل الإيمان ومستحقّاً للإجلال والتعظيم في الجنان . ومن لم يعرف نفسه على الوجه الذي ذكرنا مشروحاً ، بل عرف نفسه على الوجه الذي ذهب إليه المخالفون ، فلم يعرف ربّه حقّ عرفان ربّه ، بل ضيّع حقّ العرفان ودخل في زمرة أهل الضلالة والطغيان وصار مستحقّاً ، لأن يكون من أصحاب النيران . وهذا التحقيق الشريف سرّ عظيم من أسرار من عرف جعلني اللَّه تعالى مطّلعاً عليه وأكرمني بإلهامه من لدنه في البقعة المباركة الطائف ، فقلت : هذا من لطائف الطائف ، فحمدت اللَّه حمد الشاكرين وسألته مزيد النعمة والتفضّل اقتداء بقول ربّ العالمين : « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » [ إبراهيم : 7 ] . وبما حقّقنا معنى إقبال النفس الإنسانيّة وإدبارها تحقيقاً مبسوطاً ومشروحاً يظهر ظهوراً تامّاً شرح الإقبال والإدبار الواقعين في الحديث الشريف ، الذي رواه ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني قدس سره في أوّل كتاب العقل من كتاب الكافي عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : ( لمّا خلق اللَّه تعالى العقل استنطقه ، ثمّ قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال : وعزّتى وجلالي ما خلقت خلقاً ، فهو أحبّ إليّ منك ولا أكملتك إلّافيمن أحبّ ، أمّا إنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى وإيّاك أعاقب وإيّاك أثيب ) ، تمّ الحديث الشريف [ الكافي ، ج 1 ، ص 10 ] . ومعنى الإقبال والإدبار بالقياس إلى العقل الذي هو النفس المجرّدة الإنسانيّة ، أو بالقياس إلى العقل بمعنى الحالة الإدراكيّة الفاصلة بين الحقّ والباطل والقوّة الإدراكيّة الفاصلة بين الحيوان والإنسان . والعقل بهذا المعنى هو الصفة العمدة الكماليّة للنفس المجرّدة