الفيض الكاشاني

202

الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )

فجهنّم ليست داراً روحانيّة خالصة ؛ بل هي مكدّرة مشوبة بهذا العالم ، فكأنّما هي هذا العالم انساق إلى الآخرة بسائق القهرمان وزمام التسخير ، فالجهنّمي يريد ما لا يجده ، ويشتهي ما يضرّه ، ويفعل ما يكرهه ، ويختار ما يعذّبه ، ويهرب عمّا يصحبه ، قائلًا : « يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ » « 1 » ، وجميع مشتهياته عقاربه وحيّاته . وبالجملة حقيقة جهنّم وما فيها هي حقيقة الدنيا ومشتهياتها ، تصوّرت للنفوس الشقيّة بصورة مؤلمة معذّبة لها ، محرقة لأبدانها ، مذيبة للحومها وشحومها ، مبدّلة لجلودها ، مشوّهة لخلقها ، مسوّدة لوجوهها . [ 77 ] كلمة : فيها مزيد بيان لحقيقة النشأة الآخرة قال بعض أهل المعرفة : إنّ الأجسام في النشأة الآخرة تكون منطوية في الأرواح ، والأرواح تكون لها ظروفاً ظاهرة بعكس ما هي في الدنيا ، فالحكم هناك للروح . ولهذا يتحوّلون في أيّ صورة شاؤوا لغلبة الروحانيّة عليهم وغيبة الجسميّة فيها ، كما هم اليوم عندنا الملائكة وعالم الأرواح يظهرون في أيّ صورة شاؤوا . وقال : النشأة الآخرة في الحقيقة هي باطن هذه النشأة الدنيويّة الظاهرة ، فيبطن هناك ما ظهر الآن ويظهر ما بطن على وجه جامع بين أحكام ما بطن الآن وظهر وما نتج من هذا البطون والظهور والجمع والتركيب ، ثمّ عند الصراط يفارق السعداء ما يبقى فيهم من خواصّ هذا المزاج ممّا هو عنصري غير طبيعي ، ويبقى معهم أرواح قوى هذه النشأة وجواهرها الأصليّة المتركّبة بالتركيب الأبدي الطبيعي الغير العنصري وصورة الجمع والتأليف العيني الأزلي . وأهل الشقاء ينفصل عنهم ما قد كان فيهم من أرواح القوى الإنسانيّة والصفات الروحانيّة ، ويتوفّر في نشأتهم صور الأحوال المزاجيّة الانحرافيّة والصفات الرذيلة والكيفيّات الرديّة

--> ( 1 ) - الزخرف : 38 .