الفيض الكاشاني
200
الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )
الخيرات صادرة بالذات والشرور واقعة بالعرض . فعلى هذا ، لابدّ أن تكون الجنّة موجودة بالذات وجهنّم مقدّرة بالعرض والتبع » « 1 » . وأصل جهنّم من الدنيا ؛ فإنّ مادّتها هي تعلّق النفس بأمور الدنيا من حيث هي دنيا ، وصورتها هي صورة الهيئات المؤلمة والأعدام والنقائص ؛ فإنّ الأعدام والنقائص وإن كانت من حيث هي أمور سلبيّة غير مؤثّرة ولا معذّبة إلّاأنّ صورها الحضوريّة وحضورها الخارجيّة ضرب من الوجود للشيء الموصوف بها ، وهي من هذه الجهة شرور حقيقيّة حاصلة للشيء . ألا ترى أنّ تفرّق الاتّصال مع أنّه أمر عدمي ؛ لأنّه عبارة عن زوال الاتّصال عمّا من شأنه الاتّصال ، ففيه غاية الألم للحسّ اللامس به ؛ لأنّه عدم محسوس مشهود للنفس . وإذا كان العدم موجوداً كان شرّاً حقيقيّاً ، ويكون إدراكه اللمسي إدراك أمر مناف حاصل بنفسه للمدرك ؛ لأنّ العلم الشهودي هو بعينه نحو وجود المعلوم الخارجي . والمعلوم بهذا العلم إذا كان عدماً خارجيّاً كان ذلك العدم مع كونه عدماً أمراً موجوداً ، فيكون شرّاً حقيقيّاً ، ففيه غاية الألم ونهاية الشرّيّة . فصورة جهنّم في الآخرة هي صورة الآلام التي هي أعدام ونقائص حاصلة للنفس ، فالنفوس الشقيّة ما دامت على فطرة تدرك بها النقائص والأعدام الموصوفة بها ، التي من شأن تلك النفوس أن تتّصف بمقابلاتها يكون لها آلام شديدة بحسبها ، فتلك الآلام باقية فيها إلى أن يزول عنها إدراكها ، إمّا بتبدّل فطرتها إلى فطرة أدنى وأخسّ من تلك الفطرة ، أو بزوال تلك النقائص والأعدام بحصول مقابلاتها من جهة ارتفاع حال تلك النفوس . وقوّة كمالاتها واشتغالها بإدراك أمور عالية كانت تعتقدها من قبل وصارت ذاهلة عنها ممنوعة عن إدراكها لانصراف توجّهها عنها إلى تلك الشواغل الحسيّة ، فعلى التقديرين يزول العذاب ويحصل الراحة . والحاصل : إنّ جهنّم هي صورة الدنيا من حيث هي دنيا حالّة في موضوع النفس يوم القيامة ، فتلك الصورة الجحيميّة مشتملة على جميع ما في السماء والأرض من حيث نقائصها وشرورها ، لا من حيث كمالاتها وخيراتها ؛ فإنّها من حيث كمالاتها وخيراتها هي من الجنّة ، فالنفس ما دامت في
--> ( 1 ) - الأسفار الأربعة ، ج 5 ، ص 344 .