الفيض الكاشاني

198

الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )

ونار محسوسة تحرق الأبدان « أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ » « 1 » . وكلتاهما إنّما تكونان في العالم الخيالي المتجسّم : إحداهما - وهي المعقولة - : إنّما تنشأ فيه بتبعيّة عالم العقل بسبب فقدان المعارف والكمالات العقليّة ، إمّا بإنكارها وجحدها أو بالحرمان عنها بعد إدراكها والشوق إليها بحسب حصول أضدادها بالجهل المركّب ، وفقد القوّة الهيولانيّة ، وحصول فعليّة الشيطنة والاعوجاج ، ورسوخ العقائد الباطلة في الوهم والعقل . وإن لم يتألّم - حيث لاحظ له من الشقاء وليس من دار الشقاء - إلّاأنّ من اشتاق إليه وحرم الوصول يسمّى ألمه ألماً عقليّاً مشاكلة للذة العقليّة ومقابلة لها ؛ إذ الألم يرجع في الحقيقة إلى العدم ، والعدم إنّما يعرف ويمتاز بالوجود . وأمّا النقص بحسب الغريزة ، فلا ألم بسببه ؛ بل هي بمنزلة الموت والزمانة في الأعضاء « 2 » من غير شعور بمؤلم . وكلاهما مشتركان في عدم الانجبار في الآخرة إلّاأنّ البلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء ، فالعذاب لهؤلاء عظيم ولأولئك أليم . والنار الأخرى - وهي المحسوسة - : إنّما تنشأ في الخيال المتجسّم بوسيلة هذه النشأة الدنياويّة بسبب فقدان متاعها بعد حصول الإلف له ، والتعلّق به ، والإخلاد إليه ، وارتكاب الأعمال السيّئة والأقوال الكاذبة والأخلاق الرديّة ؛ فإنّ النفس بسبب ذلك تنشأ في عالمها صوراً مؤذية مناسبة لها من الحيّات والعقارب والسموم واليحموم وغيرها ، فتتأذّى بها ولا تقدر على عدم إنشائها ، كما إنّها إذا أصابتها مصيبة في الدنيا ، فكلّما يخطرها ببالها اغتمّت وتأذّت ولا يمكنها أن لا تخطرها . ولكنّها في الدنيا تغفل عنها أحياناً بسبب الشواغل بخلاف الآخرة ؛ فإنّها لا تنفكّ عنها لعدم الشاغل وصفاء المحلّ وقوّته وصيرورة القوى كلّها قوّة واحدة إلّاأنّ هذه الهيئات لمّا كانت غريبة عن جوهر النفس وكذا ما يلزمها ، فلا يبعد أن تزول في مدّة من الدهر متفاوتة حسب تفاوت العلائق في رسوخها وضعفها وكثرتها وقلّتها إن شاء اللَّه ، فيخرج من النار من في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » « 3 » ، « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » « 4 » . وفي إعتقادات الصدوق رحمه الله : ( روي أنّه لا يصيب أحداً من أهل التوحيد ألم في النار ، وإنّما

--> ( 1 ) - البقرة : 24 ؛ آل عمران : 131 . ( 2 ) - مط : بالأعضاء . ( 3 ) - الزلزال : 7 - 8 . ( 4 ) - النساء : 48 .