الفيض الكاشاني

166

الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )

والنشأة الإنسانيّة الكليّة في الدنيا نشأتان : نشأة تفصيليّة فرقانيّة ، ونشأة أحديّة جمعيّة قرآنيّة . وكانت هذه النشأة الدنيويّة كثيفة ، وصورتها مقيّدة سخيفة ماديّة جامعة بين النور والظلمة ، والنفس الناطقة المتعلّقة بها من بعض قواها القوّة العمليّة « 1 » وهي ذاتيّة لها وبها يعمل اللَّه سبحانه لأجلها في كلّ نشأة ، وموطن صورة هيكليّة تنزل معانيها فيها وتظهر قواها وخصائصها وحقائقها بها . وهذه النشأة الجامعة بين النور والظلمة لا تقتضي الدوام ؛ بل لابدّ لها من الانخرام والانصرام لكونها حاصلة من عناصر مختلفة متباينة متضادّة تقتضي بحقائقها الانفكاك . وكون قوى مزاجها العنصري غير وافية بجميع ما في النفس من الحقائق والدقائق ، فإنّ في النفس ما لا يظهر بهذه النشأة العنصريّة مثل ما يظهر بنشأتها الروحانيّة النوريّة ، فإذا حصل لها بعون اللَّه سبحانه في مدّة عمرها التي تعمر أرض جسدها من الأخلاق الفاضلة والملكات الكاملة والعلوم الحقّة والأعمال الصالحة كمال فعلي لها . وصار بها جميع ما كان بالقوّة بالفعل أنشأ اللَّه سبحانه لها بالقوّة العمليّة ، إذا خرجت عن الدنيا صورة أخرويّة روحانيّة ملائمة لها من تلك الأخلاق والملكات والعلوم والأعمال ، فتظهر « 2 » بحقائقها وخصائصها وآثارها في تلك الصورة ظهوراً يقتضي الدوام إلى الأبد ؛ لأنّ مادّتها روحانيّة وحدانيّة نوريّة ولرسوخ حقائقها وأصولها الروحانيّة في جوهر الروح ودوام التجلّي الإلهي فيها ، فإذا انتقل الأمر إلى الآخرة وظهرت النفوس والأرواح الإنسانيّة في صورها الروحانيّة البرزخيّة المثاليّة أو الحشريّة ، غلبت الروحيّة على الصور والنوريّة على الظلمة . واختزن الحقّ الأسرار والأنوار والحقائق في تلك الصور الأخرويّة ، فكان الإنسان بأحديّة جمعه ختماً على تلك النشأة الأخرويّة حافظاً لها إلى الأبد » « 3 » .

--> ( 1 ) - مط : العلميّة . ( 2 ) - مط : فظهر . ( 3 ) - نقد النصوص ، ص 99 - 100 .