الفيض الكاشاني

141

الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )

فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر مّا في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه ، فينتقش فيها ذلك الحكم . وربّما تأخّر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما توجبه بقيّة الأسباب لولا ذلك السبب ولم يحصل لها العلم بذلك السبب بعد لعدم اطّلاعها على سبب ذلك السبب ، ثمّ لمّا جاء أوانه واطّلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأوّل ، فيمحو « 1 » عنها نقش الحكم السابق ويثبت الحكم الآخر . مثلًا لمّا حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لأسباب تقتضي ذلك ولم يحصل لها العلم بتصدّقه الذي يأتي به قبيل ذلك الوقت لعدم اطّلاعها على أسباب التصدّق بعد ، ثمّ علمت به . وكان موته بتلك الأسباب مشروطاً بأن لا يتصدّق ، فيحكم أوّلًا بالموت وثانياً بالبرء . وذلك لأنّ شأن النفوس أن يكون توجّهها إلى بعض المعلومات واشتغالها به يذهلها عن البعض الآخر ، ثمّ إذا كانت الأسباب لوقوع أمر ولا وقوعه متكافئة ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد ، كان لها التردّد في وقوع ذلك الأمر ولا وقوعه ، فينتقش فيها الوقوع تارة واللاوقوع أخرى . فهذا هو السبب في المحو والإثبات والتردّد والحكمة فيها . ثمّ لمّا كانت أفعال الملائكة المسخّرين وإراداتهم مستهلكة في فعله سبحانه وإرادته ، إذ « لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » « 2 » . ومكتوبهم مكتوب اللَّه عزّ وجلّ بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأوّل ، جاز أن يوصف اللَّه سبحانه بالبداء . وكلّ ما يشعر بالتغيّر والسنوح مع تقدّسه سبحانه وتنزّهه عن ذلك - كما مرّ بيانه في كلمة الجمع بين التنزيه والتشبيه - . وقد ورد في الحديث القدسي : ( ما تردّدت في شيء أنا فاعله ، كتردّدي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءة له ) « 3 » ، مع أنّه عزّ وجلّ قد قضى عليه الموت قضاء حتماً ، كما قال عزّ وجلّ : « ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ » « 4 » . وقال : « وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ

--> ( 1 ) - حاشية دا : فينمحي . ( 2 ) - التحريم : 6 . ( 3 ) - التوحيد للصدوق رحمه الله ، ص 399 ، ح 1 ؛ الجواهر السنية ، ص 119 . ( 4 ) - الأنعام : 2 .