الفيض الكاشاني

131

الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )

أي ما قدّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ، ثمّ طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ، بل ما عالمناهم إلّا بما علمناهم وما علمناهم إلّابما هم عليه ، فإن كان ظلماً فهم الظالمون ولذلك قال : « وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » « 1 » . وفي الحديث : ( من وجد خيراً فليحمد اللَّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّانفسه ) « 2 » . فإن قلت : فما فائدة قوله سبحانه : « وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » « 3 » ؟ قلنا : « لو » حرف امتناع لامتناع ، فما شاء إلّاما هو الأمر عليه . ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم دليل العقل ، وأي الحكمين المعقولين وقع فهو الذي عليه الممكن في حال ثبوته ، فمشيئته أحديّة التعلّق وهي نسبة تابعة للعلم والعلم نسبة تابعة للمعلوم والمعلوم أنت وأحوالك ، فعدم المشيّة معلّل بعدم إعطاء أعيانهم هداية الجميع لتفاوت استعداداتهم وعدم قبول بعضها للهداية . وذلك لأنّ الاختيار في حقّ الحقّ تعارضه وحدانيّة المشيّة ، فنسبته إلى الحقّ من حيث ما هو الممكن عليه لا من حيث ما هو الحقّ عليه ، قال تعالى : « وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي » « 4 » . وقال : « أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ » « 5 » . وقال : « ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ » « 6 » ، فهذا هو الذي يليق بجناب الحقّ والذي يرجع إلى الكون « وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها » « 7 » فما شاء ؛ فإنّ الممكن قابل للهداية والضلال من حيث ما هو قابل ، فهو موضع الانقسام . وفي نفس الأمر ليس للحقّ فيه إلّا أمر واحد « 8 » .

--> ( 1 ) - البقرة : 57 . ( 2 ) - صحيح مسلم ، ج 8 ، ص 17 . ( 3 ) - النحل : 9 . ( 4 ) - السجدة : 13 . ( 5 ) - الزمر : 19 . ( 6 ) - ق : 29 . ( 7 ) - السجدة : 13 . ( 8 ) - ربّما يقال : إنّ سرّ القدر والعلم به ما خفي إلّالشدّة ظهوره ؛ لأنّ كلّ ذي بصر وبصيرة يشاهد أنّ وجود الأشياء صادر من اللَّه في كلّ آن بحسب القوابل كإفاضة الصور الإنسانيّة على النطفة الإنسانيّة ، والصور الفرسيّة على النطفة الفرسيّة . وهذا أظهر شيء في الوجود ، وكما تترتّب إفاضة الصور على الأشياء بالاستعداد ، كذلك تترتّب إفاضة لوازمها على قابليّة تلك الصور . وهذا أيضاً بيّن عند العقل . « منه دام ظلّه »