الفيض الكاشاني
128
الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )
--> - الرضا عليه السلام ، حيث قال الراوي سألته ، فقلت : ( اللَّه فوّض الأمر إلى العباد ؟ قال : اللَّه أعزّ من ذلك . قلت : فجبرهم على المعاصي ؟ قال : اللَّه أعدل وأحكم من ذلك . ثمّ قال : قال اللَّه عزّ وجلّ يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك منّي ، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك » . [ الكافي ، ج 1 ، ص 157 ، ح 3 ] . وقد روى عنه عليه السلام أيضاً مثل هذا المضمون في باب أسباب الفعل من الكتاب المذكور مع ذكر توجيه له من المصنّف رحمه الله وأنا في التعليقات المذكورة آنفاً قد شرحت هذا الحديث أيضاً شرحاً شافياً ، ومن أراد ، فليراجع إلى هناك . فإن قلت ما تقول في ما ورد عن أبي جعفر عليه السلام في باب الجبر والشرّ من كتاب الوافي حيث قال عليه السلام : ( إنّ في بعض ما أنزل اللَّه تعالى من كتبه ، إنّي أنا اللَّه لا إله إلّاأن خلقت الخير وخلقت الشرّ ، فطوبى لمن أجريت على يديه الخير ، وويل لمن أجريت على يديه الشرّ ، وويل لمن يقول كيف ذا وكيف ذا ) ، فإن ظاهرا وله يشعر بالجبر ويظهر من آخر ما يؤدي إلى الظلم العياذ باللَّه . فأقول : إنّ ما يستفاد من ظاهر هذا الحديث وأمثاله ومن ظواهر بعض الآيات التي تمسك منهما المجبرة إنّما هو مخالف لكثير من الآيات الصريحة الدالّة على نفي الجبر والظلم ، وكذا الأخبار الصحيحة الدالّة على ذلك غير غزير ، فمنها الحديث الرضوي المذكور آنفاً . ومنها ما رواه العياشي ، عن الصادق عليه السلام ، قال : ( من زعم أنّ اللَّه يأمر بالفحشاء فقد كذب على اللَّه ، ومن زعم أنّ الخير والشرّ إليه فقد كذب على اللَّه ) . ومنها ما رواه المفيد - طاب ثراه - في روضة الواعظين : ( أنّ أبا حنيفة قال دخلت المدينة ، فأتيت لها أبا عبداللَّه عليه السلام ، فسلمت عليه وخرجت من عنده ، فرأيت ابنه موسى عليه السلام في دهليز داره قاعداً في مكتب وهو صغير السنّ ، فقلت له : أين يحدث الغريب عندكم إذا أراد ذلك ؟ فنظر إليّ ، ثمّ قال : تجنّب شطوط الأنهار ، ومسقط الثمار ، وفيء النزال ، وأفنية الدور والطرق النافذة ، والمساجد وضع بعد ذلك حيث تشاء . فلّما سمعت هذا القول ، نبل في عيني وعظم في قلبي . فقلت له : جعلت فداك ممّن المعصية ؟ فنظر إليّ ، ثمّ قال : اجلس حتّى أخبرك ، فجلست فقال : إنّ المعصية لابدّ أن تكون من العبد أو من ربّه أو منهما جميعاً ، فإن كانت من اللَّه تعالى فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده ويأخذه بما لم يفعله ، وإن كانت منهما فهو شريكه ، والقوي أولى بإنصاف عبده الضعيف وإن كانت من العبد وحده ، فعليه وقع الأمر وإليه توجّه النهي وله حقّ الثواب والعقاب ولذلك وجبت الجنّة والنار . قال : فلمّا سمعت ذلك قلت : « ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . [ روضة الواعظين ، ص 39 ] . ومنها ما روى عن الصادق عليه السلام الباب الثالث من كتاب قواعد العقائد من كتاب محجّة البيضاء أنّه قال : ( إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أنّ اللَّه عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي ، فهذا قد ظلم اللَّه في حكمه ، فهو كافر . ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم ، فهذا قد أوهن اللَّه في سلطانه ، فهو كافر . ورجل يزعم أنّ اللَّه كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون ، وإذا أحسن حمد اللَّه ، وإذا أساء أستغفر اللَّه ، فهذا مسلم بالغ ) . وأمثال ذلك من الأحاديث ممّا لا يحصى ، فلابدّ من ارتكاب ضرب من التأويل والانحراف عن الظواهر رفعاً للتنافي فيما يدلّ بظاهره على خلاف الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة المتواتر المعنى بأن يقال هاهنا : إنّ المراد بخلق الخير والشر التسبيب ؛ فإنّ اللَّه سبحانه مسبّب الأسباب ، وكلّ ما وجد في العالم إنّما هو بتسبيبه وتمشيته ؛ فإنّ وجود العبد وسائر أسباب فعله حتّى تفويض إرادة الفعل إليه إنّما هو بفعله سبحانه ، كما دريت غير مرّة . وإسناد الفعل إلى من له مدخل فيه في الجملة جائز فضلًا عمّن يكون جميع الأسباب بتمشيته وتيسره ، فالمراد بخلق الخير والشرّ من أفعال العباد إنّما هو خلق تسبيب وتدبير الذي لا ينافي الاختيار ، لا الخلق بمعنى التكوين الموجب للإجبار والاضطرار . فقوله تعالى : « خلقت الخير والشر » على المعنى المذكور يشعر إلى نفي التفويض . وقوله : « فطوبى لمن أجريت على يديه الخير ، وويل لمن أجريت على يديه الشرّ » بمعنى إنّي هبّئت الخير والشرّ لهما ، وفوّضت إرادة أيّهما إليهما ، فاختار كلّ منهما واحداً ، فطوبى لأحدهما وويل للآخر . وهذا ناظر إلى نفي الجبر إذ لا مدح للمجبور . وقوله : « وويل لمن يقول كيف ذا وكيف ذا » ، أي ويل لمن أنكر أحد الأمرين المذكورين من نسبة الخير والشرّ إلى اللَّه تعالى بنحو التسبيب وتوجّه المدح والويل إلى العبد ، فيقول : « كيف ذا وكيف ذا » ، على سبيل الإنكار ولعلّ « الواو » هنا بمعنى « أو » ، واسم الإشارة في الأوّل إشارة إلى الأمر الأوّل والثاني إلى الثاني . وممّا يؤيّد ما قلناه في معنى خالق الخير والشرّ من أفعال العباد أنّه ليس بمعنى ما يفهم منه الجاهلين . وإنّ الحديث المذكور ناظر إلى نفي التفويض والجبر ما نقل من كتاب الخصال عن الباقر عليه السلام ، ومن كتاب العيون عن الرضا عليه السلام : ( إنّ أفعال العباد مخلوقه خلق تدبير لا خلق تكوين واللَّه خالق كلّ شيء ولا نقول بالجبر والتفويض ) . وإذا دريت ما تلوناه عليك ، فقد ظهر أنّ ما حقّقته في الجبر والتفويض ليس مخالفاً لشيء ممّا مقتضية البراهين القاطعة العقليّة والدلائل الساطعة النقليّة ؛ بل هو مطابق لما نطق به الإمام الناطق بالحقّ جعفر الصادق عليه السلام من أنّه : ( لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين ) . أمّا نفي الجبر فظاهر لتفويض العزم والإرادة إلى العبد ، وأمّا نفي التفويض فهو أظهر ، إذ وجود جميع أسباب العزم على الأفعال التكليفيّه التي من جملتها وجود الشخص وتفويض العزم إليه إنّما هي مستندة إلى اللَّه سبحانه بحيث لو لم يوجد واحد منها استحال صدور فعل أو ترك عنه بإرادته ، ومثل هذه الحالة لا يسمّى بالاستقلال والتفويض . فهذا التحقيق يمتاز السليم من المريض ، ويحصل من كلّ مقال طويل وجدال عريض ، والحمد للَّهالمفضل المفيض . « فضلاللَّه كاشاني » [ نسخهء خطّى كتابخانهء آيت اللَّه مرعشى نجفي رحمه الله ، نسخهء شمارهء « 13528 » ] .