الفيض الكاشاني
126
الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )
--> - والمبّرات ثابت شرعاً ، فإنّ منطوق ( إنّما الأعمال بالنيّات ) ناطق بذلك . فقد ظهر ممّا تلوناه عليك من هذه المناقشات أنّه لا مانع من كون إرادة العبد مفوّضة إليه في بعض الأمور عقلًا ؛ بل ثبت أنّه كذلك نقلًا وعقلًا أيضاً تصحيحاً لتوجيه التكليف ولوازمه إلى العبد . وأمّا قوله : « ومن نظر إلى السبب الأوّل - إلى قوله - ولم تفرق بينها وبين أفعال الجمادات » ، ففيه أنّه إن أراد بقوله : « وقطع النظر عن الأسباب القريبة مطلقاً » . إنّ هذا الناظر لم يعتقد سببيّة إرادته وسائر الأسباب القريبة لفعله رأساً ، فهذا مناقض لما ذكره أوّلًا حيث قال : « ومن نظر إلى السبب الأوّل إلى هنا » ؛ فإنّه تصريح بأنّ هذا الناظر يعتقد بسببيّة جميع الأسباب والعلل ، وأنّها جميعاً مستندة إلى اللَّه سبحانه استناداً واجباً . وإن أراد أنّه مع اعتقاده بسببيّة تلك الأسباب جميعاً لا ينسب وجود شيء منها إلى العبد ؛ بل يعتقد أنّ الجميع حتّى الإرادة المقارنة للفعل بفعل اللَّه تعالى ، وليس شيء منها بفعلنا واختيارنا ، فهذا بعينه ما ذكره بعد ذلك في الشقّ الثالث أنّه يضيف الأفعال إلى اللَّه خيرها وشرّها ، وهو الذي قال في شأنه وذلك هو الفضل الكبير . إذا دريت هذا ، فقد لاح أنّ مآل ما سمّاه بالفضل الكبير ومقال المجبرة واحد . ثمّ قوله : « وأمّا من أضاف الأفعال إلى اللَّه تعالى - إلى قوله - وذلك الفوز العظيم » . ففيه أنّه إذا كان وجود إرادة العبد بفعل اللَّه جلّ وعزّ ولم يكن بفعل العبد واختياره ، فليس لخلق الأعمال وخلق إرادة جديدة معنى سوى ذلك ، وحينئذ لا يكون الفرق بين أفعال العباد وأفعال الجماد في أنّه ليس وجود شيء من أسباب فعلهما باختيارهما ؛ بل الجميع بفعل غيرهما . وإنّما الفرق حينئذ بينهما بأنّ من جملة أسباب فعل العبد أمور من العقل والفكر والإرادة وأمثال ذلك من الأمور ، وليس مثل هذه الأمور من أسباب أفعال الجمادات . وهذه التفرقة غير مفيدة فيما نحن فيه ، ومن هنا أيضاً ظهر أنّ ما سمّاه « بالفوز العظيم » لا يخالف قول المجبرة . إذا طويت ما في الفصلين ودريت ما أوردته عليهما ، فاستمع كلاماً ملتئماً من بعض ما سبق وشئ به لحق ، قد أثبته في أصلين ووصلين : الأصل الاوّل : إنّ جميع أسباب الفعل والترك الإراديّين الموجبة لأحدهما من المبادي العالية والمدبّرات والمعدّات والقوابل والإستعدادات على الترتيب المعيّن والنظام المتين المبين ، وكذا الدواعي والصوارف وقدرة العبد وإرادته ورفع الموانع ، إنّما هي بقضاء اللَّه تعالى وتقديره ومشيّته وإرادته لما ثبت عقلًا ونقلًا ، أنّ ما في الكون طرّاً ليس بخارج عن قضائه وتقديره وإرادته . الأصل الثاني : أنّه كما أنّ اللَّه سبحانه قادر على أن يلجى العبد في العزم على فعل بحيث لا يقدر على ترك العزم عليه ، كذلك قادر على أن يفوّض أمر العزم إليه في بعض الأمور بحيث يكون قادراً على العزم وتركه اختياراً ، فيعزم على أحدهما لا على سبيل الإلجاء ؛ فإنّ ذلك ممكن غير مستحيل . وعلى التقديرين يكون الفعل أو الترك بانضمام العزم إلى قدرته ، وهو الجزء الأخير من العلّة التامّة واجباً . وقد عرفت فيما مضى أنّ كلّ فعل فرض صدوره عن العبد بطريق الإلجاء لا يصحّ تعلّق التكليف ولوازمه به ، وكلّ ما فرض صدوره عنه بنحو التفويض المذكور لا الإلجاء يصحّ أن يتعلّق التكليف ومتعلّقاته به . الوصل الأوّل : أنّه بناء على ما ذكر في الأصل الأوّل الأفعال التكليفيّة ، وإن فرض صدورها بغير طريق الإلجاء ليست