الفيض الكاشاني

122

الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )

--> - قوابل واستعدادات ذاتية وعارضيّة إيّاها يختصّ بها حال دون حال وصورة دون صورة ترتّباً وانتظاماً متقناً معلوماً في القضاء السابق ، فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب والشرايط مع ارتفاع الموانع علّة تامّة يجب عندها وجود ذلك الأمر ، المدبّر المقضي المقدّر . وعند تخلّف واحد منها ، أو حصول مانع بقي وجوده في حيّزه الإمكان كأن لم يكن واحد منها سواء . فإذا كان من جملة الأسباب وخصوصاً القريبة منها وجود هذا الشخص الإنساني أو الحيواني ، وإدراكه وعلمه وقدرته وإرادته وتفكّره أو تخيّله اللّذان يختار بهما أحد طرفي الفعل أو الترك ، كان ذلك الفعل اختياريّاً واجباً وقوعه بجميع تلك الأمور المسمّاة علّة تامّة ممكناً بالنسبة إلى كلّ واحد منها ، فوجوبه لا ينافي كونه بالاختيار كيف وأنّه ما وجب إلّابه . وإن استهيت أن نفصّل لك هذه الجملة تفصيلًا واضحاً ، ونبيّنها بياناً شافياً ، فلنورد تلخيصها في فصل مفرد ، فاستمع إليه متيقظاً ، وفرغ لي قلبك متفطّناً : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » ، انتهى كلامه رحمه الله في هذه الفصل . أقول : فذلكة المقال وغاية المآل في هذا الفصل بعد كثير من القيل والقال ، إنّها هو قوله : « فاجتماع تلك الأمور - إلى قوله - وكيف أنّه ما وجب إلّابه » . ومحصوله أمران : أحدهما : أنّه لما كان من جملة تلك الأسباب والعلل المقضيّة المقدّرة إرادة الشخص وتفكّره اللّذان بهما يختار الفعل أو الترك ، فكان هذا الفعل أو الترك اختياريّاً له ، فيصّح التكليف به وما يتفرّع عليه . وثانيهما : أنّه لا منافاة بين وجوب الفعل بهذه الأسباب التي هي العلّة التامّة له ، وبين كونه اختياريّاً . إذا دريت هذا ، فاعلم أنّ الفعل الاختياري يمكن أن يراد به معنيان : أحدهما : ما يكون من جملة أسبابه إرادة الشخص مطلقاً - سواء كان تلك الإرادة بالاضطرار من قبل مجبر غير الفاعل ، أو تكون مفوّضة إليه بالاستقلال - . والاختياري بهذا المعنى غير معهود في الاستعمال ، وإنّما هو يمياز عن أفعال الجمادات فحسب . ويشمل فعل من اضطرّ إليه بإجبار غيره إيّاه . والمعنى الآخر : هو الشقّ الأخير فقط ، أي ما يكون صدوره من الشخص بإرادة مفوّضة إليه من غير إجبار غيره إيّاه في تلك الإرادة ، وإن كان وجود سائر الأسباب والعلل السابقة على تلك الإرادة بفعل غيره . والاختياري بهذا المعنى هو المعهود المتبادر إلى الفهم من الإطلاق ، وهو يمياز عن فعل المضطرّ ، وإنّما هو مناط صحّة التكليف ومتفرّعاته من استحقاق الثواب والعقاب والمدح والذم وغير ذلك . وقد يأتي في الفصل الآتي ما يشعر بأنّ مراد هذا الفاضل بالاختياري في هذا المقام ما وجب وجوده بتوسّط إرادة ، تكون بفعل اللَّه سبحانه غير مفوّصة إلى اختيار فاعله ، فترقّبه . وعلى هذا ، فلا يتمّ ما هو بصدده من التحقيق الرافع للإشكالات المذكورة في أوّل الفصل هذا ، ثمّ انظر في أنّه أي فائدة فيما أفاده أخيراً حيث قال : « فوجوبه لا ينافي كونه بالاختيار » ، ثمّ علّله بقوله : « كيف وأنّه ما وجب إلّابه » . فإنّ هذا الكلام في هذا المقام لا طائل تحته ، إذ منشأ الإشكال في هذا الباب عند أولى الألباب ليس وجوب الفعل بالأسباب ،