الفيض الكاشاني

21

الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )

فزعمتم أنّ الصحابة ومن بعدهم استغنوا برأيهم ، هداهم بغير ما هدي الله به نبيّه ( ص ) ، وأنّ المؤمنين قد هدوا لما لم يهدِ الله له النبيّ ( ص ) ، والله يقول : « فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » ( « 1 » ) . فزعمتم أنّ النبيّ ( ص ) لم يهتدِ لما اختلف فيه من الحقّ وقد هدي الله له المؤمنين ، فقد صيّرتموهم في حدّ الربوبيّة ؛ وذلك أنّ الله إنّما تعبّد خلقه بأن أمرهم ونهاهم وأحلّ لهم وحرّم عليهم وأجري عليهم الأحكام بذلك ، فوعد الثواب من أطاعه وأوعد العقاب من عصاه ؛ وكذلك جعلتم لهم الأحكام علي الناس ، فمن عصاهم عاقبتموه وأوجبتم ( « 2 » ) عليه معصية الله وعقوبة الدنيا والآخرة ، ومن أطاعهم نسبتموه إلي السنّة والجماعة ، وصار عندكم من أهل الثواب في الدنيا والآخرة . فهل زاد الله فيما تعبّدهم به وأمرهم ونهاهم علي ما صنعتم بهم ؟ ! ولقد نسبتموهم إلي أنّهم يعرفون الطاعة والمعصية ، والحكم فيهما برأيهم ، ودفعتم النبيّ ( ص ) عن ذلك والوحي يأتيه ، لئن كانوا كما زعمتم يحسنون الحكم فيما ورد عليهم ، وأنّ ذلك ليس فيما أنزل الله من كتاب ولا سنّة من رسول الله ( ص ) ، فلقد حكمتم بالاستغناء عن بعثة النبي ( ص ) وعن تنزيل الكتاب إذ كانوا يعرفون ، كما زعمتم الحكم بما ليس فيهما . وأنّ ذلك في معني قولكم : إنّ الله بعث النبيّ ( ص ) ولا حاجة بهم إليه ، وأنزل الكتاب وهم مستغنون عنه ؛ وذلك أنّ الكتاب والسنّة دليلان علي ما يحتاج الناس إليه من أمر دينهم ، فإذا كان هؤلاء يحسنون ما ليس في الكتاب ولا في السنّة ممّا بالناس

--> ( 1 ) . البقرة : 213 . ( 2 ) . في ب : ادّعيتم .