الفيض الكاشاني

216

الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )

مثال ذلك : أنّهم مقرّون بالتوحيد وصفات الله سبحانه ممّا يليق به ، مقرّون بالنبيّ ( ص ) المبعوث إليهم ، متمسّكون بالكتاب المرسل إليهم ، مقرّون بإيجاب الشريعة ، مختلفون في الروايات الّتى وسائطها رجال مختلفون في المعاني . لأنّ النبيّ ( ص ) كان معجزته وفضيلته أنّه كان يُخاطب كلّ قوم بما يفهمون عنه بحسب ما هم عليه من حيث هم ، وبحسب ما يتصوّره عقولهم ، فلذلك اختلفت الروايات وكثرتِ مذاهب الديانات ، واختلفوا في خليفة الرسول ( ص ) ، وكان ذلك من أكبر أسباب الخلاف في الأمّة إلي حيث انتهينا . وأيضاً فإنّ أصحاب الجدل والمناظرات ومن يطلب المنافسة في الرئاسة اخترعوا من أنفهسم في الديانات والشرائع أشياء كثيرة لم يأت بها الرسول ( ص ) ولا أمر بها ، وابتدعوها ، وقالوا لعوامّ الناس : هذه سنّة الرسول ( ص ) وسيرته ، وحسّنوا ذلك لأنفسهم ، حتّي ظنّوا بهم أنّ الّذى قد ابتدعوه حقيقة قد أمر به الرسول ( ص ) وأحدثوا في الأحكام والقضايا أشياء كثيرةً بآرائهم وعقولهم ، وضلّوا بذلك عن كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم ؛ واستكبروا عن أهل الذكر الّذين بينهم وقد أمروا أن يسألوهم عمّا أشكل عليهم ، فظنّوا لسخافة عقولهم أنّ الله سبحانه ترك أمر الشريعة وفرائض الديانة ناقصةً حتّي يحتاجوا إلي أن يتمّوها بآرائهم الفاسدة وقياساتهم الكاذبة واجتهادهم الباطل وما يخرصوه وما يخترعوه من أنفسهم ؛ وكيف يكون ذلك ؟ ! وهو يقول سبحانه : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » ( « 1 » ) ، وقال سبحانه : « تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ » ( « 2 » ) . وإنّما فعلوا ذلك طلباً للرئاسة - كما قلنا آنفاً - وأوقعوا الخلاف والمنازعة بين الأمّة ،

--> ( 1 ) . الأنعام : 38 . ( 2 ) . النحل : 89 .