الفيض الكاشاني

212

الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )

كقدم الكلام وحدوثه ومعني الاستقرار والنزول وغيره ، فإن لم يأخذ ذلك بقلبه وبقى مشغولًا بعبادته وعمله فلا حرج عليه ، وإن أخذ ذلك بقلبه فإنّما الواجب عليه ما اعتقده السلف ؛ يعتقد في القرآن أنّه كلام الله مخلوق ، ويعتقد أن الإسراء حقّ ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه مع الاستغناء عنه بدعة ، والكيفيّة فيه مجهولة ، ويؤمن بجميع ما جاء به الشرع إيماناً مجملًا من غير بحث عن الحقيقة والكيفيّة ، وإن لم يعتقد ذلك وغلب علي قلبه الإشكال والشكّ ، فإن أمكن إزالة الشكّ والإشكال بكلام قريب من الأفهام أزيل ، وإن لم يكن قويّاً عند المتكلّمين ولا مرضيّاً فذلك كافٍ . ولا حاجة إلي تحقيق الدليل ، فإنّ الدليل لا يتمّ إلّا بذكر الشبهة والجواب ، ومهما ذكرت الشبهة لا يؤمن أن يتشبّث بالخاطر والقلب فيضلّ فهمه عن ذكر جواب الشبهة فيظنّها حقّة ( « 1 » ) لقصوره عن إدراك جوابها ، إذ الشبهة قد تكون جليّةً والجواب دقيقاً لا يحمل ( « 2 » ) عقله ، ولهذا زجر السلف عن البحث والتفتيش عن الكلام فيه . وإنّما زجروا عنه ضعفاء العوامّ ، وأمّا أئمّة الدين فلهم الخوض في غُمَر الإشكالات ، ومنع العوامّ عن الكلام يجرى منع الصبيان عن شاطئ الدجلة خوفاً من الغرق ، ورخصة الأقوياء فيه يضاهى رخصة الماهر في صنعة السباحة ، إلّا أنّ ههنا موضع غرور ومزلّة قدم ، وهو أنّ كلّ ضعيف في عقله يظنّ أنّه يقدر علي إدراك الحقائق كلّها وأنّه من جملة الأقوياء ، فربّما يخوضون ويغرقون في بحر الجهالات من حيث لا يشعرون . والصواب منع الخلق كلّهم إلّا الشاذّ النادر الّذى لا تسمح الأعصار إلّا بواحد منهم

--> ( 1 ) . في أوج : حقّه . ( 2 ) . في ج : لا يحيله .