الفيض الكاشاني
155
الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )
الْفَصْلُ ، ولَمْ يَنْهَ عَنِ الْهَزْلِ ، ولَمْ يَعِبِ الْجَهْلَ ؛ ولَكِنَّ النَّاسَ لَمَّا سَفِهُوا الْحَقَّ وغَمَطُوا النِّعْمَةَ واسْتَغْنَوْا بِجَهْلِهِمْ وتَدَابِيرِهِمْ عَنْ عِلْمِ اللهِ واكْتَفَوْا بِذَلِكَ دُونَ رُسُلِهِ والْقُوَّامِ بِأَمْرِهِ وقَالُوا : لَا شَيْءَ إلَّا مَا أَدْرَكَتْهُ عُقُولُنَا وعَرَفَتْهُ أَلْبَابُنَا ، فَوَلَّاهُمُ اللهُ مَا تَوَلَّوْا ، وأَهْمَلَهُمْ وخَذَلَهُمْ حَتَّي صَارُوا عَبَدَةَ أَنْفُسِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ، ولَوْ كَانَ اللهُ رَضِى مِنْهُمُ اجْتِهادَهُمْ وارْتِيَاءَهُمْ فِيمَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَبْعَثِ اللهُ إلَيْهِمْ فَاصِلًا لِمَا بَيْنَهُمْ ولَا زَاجِراً عَنْ وَصْفِهِمْ . وإنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا أَنَّ رِضَا اللهِ تعالي غَيْرُ ذَلِكَ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ بِالْأُمُورِ الْقَيِّمَةِ الصَّحِيحَةِ والتَّحْذِيرِ عَنِ الْأُمُورِ الْمُشْكِلَةِ الْمُفْسِدَةِ ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ أَبْوَابَهُ وصِرَاطَهُ والْأَدِلَّاءَ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ مَحْجُوبَةٍ عَنِ الرَّأْى والْقِيَاسِ ؛ فَمَنْ طَلَبَ مَا عِنْدَ اللهِ بِقِيَاسٍ ورَأْى لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلَّا بُعْداً ، ولَمْ يَبْعَثْ رَسُولًا قَطُّ وإنْ طَالَ عُمُرُهُ قَابِلًا مِنَ النَّاسِ خِلَافَ مَا جَاءَ بِهِ حَتَّي يَكُونَ مَتْبُوعاً مَرَّةً وتَابِعاً أُخْرَي ؛ ولَمْ يُرَ أَيْضاً فِيمَا جَاءَ بِهِ اسْتَعْمَلَ رَأْياً ولَا مِقْيَاساً حَتَّي يَكُونَ ذَلِكَ وَاضِحاً عِنْدَهُ كَالْوَحْى مِنَ اللهِ ؛ وفِى ذَلِكَ دَلِيلٌ لِكُلِّ ذِى لُبٍّ وحِجًي ، إنَّ أَصْحَابَ الرَّأْى والْقِيَاسِ مُخْطِئُونَ مُدْحِضُونَ ، وإنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا دُونَ الرُّسُلِ لَا فِى الرُّسُلِ . فَإيَّاكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ أَنْ تَجْمَعَ عَلَيْكَ خَصْلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : الْقَذْفُ بِمَا جَاشَ ( « 1 » ) بِصَدْرِكَ واتِّبَاعُكَ لِنَفْسِكَ إلَي غَيْرِ قَصْدٍ ولَا مَعْرِفَةِ حَدٍّ . والْأُخْرَي : اسْتِغْنَاؤُكَ عَمَّا فِيهِ حَاجَتُكَ وتَكْذِيبُكَ لِمَنْ إلَيْهِ مَرَدُّكَ . وإيَّاكَ وتَرْكَ الْحَقِّ سَأْمَةً ومَلَالَةً ، وانْتِجَاعَكَ ( « 2 » ) الْبَاطِلَ جَهْلًا وضَلَالَةً ، لِأَنَّا لَمْ نَجِدْ
--> ( 1 ) . جاشَ : غلا . ( 2 ) . انتجعت فلاناً : إذا أتيته تطلب معروفه .