الفيض الكاشاني

141

الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )

خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ ، حَتَّي إذَا ارْتَوَي مِنْ مَاءٍ آجِنٍ وَأكثَرَ ( « 1 » ) مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَي غَيْرِهِ ، فَإنْ نَزَلَتْ بِهِ إحْدَي الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثاً ( « 2 » ) مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ بِهِ ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِى مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَدْرِى أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ ، فَ - إنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ ، وإنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ ، جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالَاتٍ ، عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ ، لَمْ يَعَضَّ عَلَي الْعِلْم بِضِرْسٍ قَاطِعٍ ، يُذْرى الرِّوَايَاتِ إذراءَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ ، ولَا يَرَي ( « 3 » ) أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مِنْهُ مَذْهباً لِغَيْرِهِ ، فَإنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ وتَعَجُّ مِنْهُ الْمَوَارِيثُ » ( « 4 » ) . ( الحديث ) .

--> ( 1 ) . في أوبعض المصادر : واكتنز . ( 2 ) . الحشو : كلام لا طائل تحته ، والرثّ : السخيف . ( 3 ) . في ص : ولا يَرَي . ( 4 ) . نهج البلاغة : 59 - 60 ، خطبة 17 ؛ أيضاً جاءت الحديث في الكافي بأدنى اختلاف في اللفظ ، وقال المؤلّف في الوافي في بيان ما جاءت في الكافي : « كأنّ الرجل الأوّل هو المبتدع في الأصول ، والثاني هو المبتدع في الفروع - كما قاله ابن أبي الحديد - وإنّما صارا من أبغض الخلائق لأنّ شرّهما متعدّ ولأنّه شرّ في الدين ، ولأنّه يبقي بعدهما عن قصد السبيل أي السبيل العدل المستقيم المستوى ، و « المشعوف » بالمعجمة والمهملة ، وبهما قرئ قوله تعالي : « قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً » ( يوسف : 30 ) ، وعلي الأوّل معناه دخل حبّ كلام البدعة شغاف قلبه أي حجابه حتّي وصل إلي فؤاده ، وعلي الثاني غلبه حبّه وأحرقه فإنّ الشعف بالمهملة شدّة الحبّ وإحراقه القلب . و « اللهج » في عبارة : « قد لهج بالصوم » بالشئ محرّكةً الولوع فيه والحرص عليه . « عن هَدى من كان قبله » بفتح الهاء وكسرها وسكون المهملة أي عن سيرته وطريقته ، يقال : هَدي هدْى فلان أي سار بسيرته وعمل بطريقته ، ويحتمل ضمّ الهاء وفتح الدال المقابل للضلال . و « القمش » الجمع ومنه القماش أي المجموع . « غان بأغباش الفتنة » بالغين المعجمة والنون من غني بالكسر . « أقام وعاش » أي مقيم في ظلماتها أسير بها . و « أشباه الناس » كناية عن العوامّ والجهّال لخلوّهم عن معني الإنسانيّة وحقيقتها . « ولم يغن فيه يوماً سالماً » لم يلبث في العلم يوماً تامّاً ولم يعش . « بكر » من البكور وهو إدراك أوّل الوقت ، يعنى أنّه وإن لم يصرف يوماً في طلب العلم ولكن خرج من أوّل الصباح في كسب الدنيا ومتاعها وشهواتها أو في كسب الجهالات التي زعمته الجهّال علماً وأحدهما هو المعني بقوله : « ما قلّ خير ممّا كثر » . وفى نهج البلاغة : « فاستكثر من جمع ما قلّ » وهو أوضح . و « الارتواء » من الشراب كالشبع من الطعام . و « الآجن » الماء المتغيّر الطعم واللون أو الريح شبّه علمه الباطل بالماء المتعفّن . و « أكثر » في بعض النسخ « اكتثر » وفى بعضه « اكتنز » من الكنز بمعني الجمع ، ويقال : هذا الأمر لا طائل فيه ، إذا لم يكن فيه غني ومزيّة ، وفى الكلام لفّ ونشر إن جعلنا بكوره في الدنيا ، فقوله : « قمش » إلي « سالماً » إشارة إلي علمه ، وقوله : « بكر » إلي « كثر » إلي دنياه . وقوله : « حتّي إذا ارتوي » ناظر إلي الأوّل ، وقوله : « أكثر » إلي الثاني . « ثمّ قطع » أي جزم . « لبس الشبهات » إمّا بفتح اللام بمعني الاختلاط وأصله اختلاط الظلام وإمّا بالضمّ بمعني الإلباس ، وفى بعض النسخ المشتبهات . « في مثل غزل العنكبوت » في عجزه عن التخلّص عنها كالذباب الواقع فيه وفى وهنه وعدم ابتنائه علي أصل ثابت . « ثمّ جسر » أي اجترأ ، و « العشوة » مثلّثة العين الظلمة والأمر الملتبس . و « الخبط » الضرب علي غير استواء يقال : خبط الرجل ، إذا طرح نفسه حيث كان ولا يتوفّي شيئاً . « ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع » كناية عن قصور حظّه في باب العلم تشبيهاً للعلم بالطعام ، لأنّه غذاء الروح ولكلال قوّته النظريّة بضرس غير قاطع للغذاء . و « ذرته الريح » وأذرته تذروه وتذريه إذا سفته وأطارته ، وإذراؤه للروايات تصفّحها وقرائتها وسردها ودرسها مع عدم فهمها . و « الملئ » بالهمزة الثقة ، الغنى أي ليس له من العلم والثقة قدر ما يمكنه أن يصدر عنه انحلال ما ورد عليه من الإشكالات والشبهات . « فرط » سبق وتقدّم . وزاد في نهج البلاغة : « إِلَي اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالًا وَيَمُوتُونَ ضُلَّالًا لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِى حَقَّ تِلَاوَتِهِ ، وَلَا أَنْفَقُ سِلْعَة وَأَغْلَي ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَلَا عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَلَا أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْكَرِ » . راجع : الكافي : 1 / 55 - 56 ، كتاب فضل العلم ، باب البدع والرأي والمقائيس ، ح 6 ؛ الوافي : 1 / 247 - 249 .