الفيض الكاشاني
62
الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )
استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسّر بالرأي . مثاله قوله تعالي : « وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها » ( « 1 » ) ، فالناظر إلي ظاهر العربيّة ربّما يظنّ أنّ المراد أنّ الناقة كانت مبصرةً ولم تكن عمياء ، والمعني : آيةً مبصرةً ، ثمّ لا يدرى أنّهم إذا ظلموا ظلموا أنفسهم أو غيرهم ؟ ومن ذلك المنقول المنقلب كقوله تعالي : « وَطُورِ سِينِينَ » ( « 2 » ) ، أي وطور سيناء ، وكذلك باقي أجزاء البلاغة ، فكلٌّ مكتفٍ في التفسير بظاهر العربيّة من غير استظهار بالنقل ، فهو مفسّر برأيه ، فهذا هو المنهى عنه دون التفهّم لأسرار المعاني ؛ وظاهر أنّ العقل لا يكفى فيه ، وإنّما ينكشف للراسخين في العلم بقدر صفاء عقولهم وشدّة استعدادهم له وللطلب والفحص والتفهّم وملاحظة الأسرار والعبر ، ويكون لكلّ واحد منهم حدّ في الترقّى إلي درجة منه بعد الاشتراك في الظاهر . ومثاله ما فهم بعض العارفين من قوله ( ص ) في سجوده : « أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَي نَفْسِكَ » ؛ إذ قيل له : « اسْجُدْ وَاقْتَرِبْ » ، ( « 3 » ) فوجد القرب في السجود ، فنظر إلي الصفات فاستعاذ ببعضها من بعض ، فإنّ الرّضا والسخط وصفان متضادّان ؛ ثمّ زاد قربه فاندرج القرب الأوّل فيه ، فرقي إلي الذات ، فقال : أعوذ بك منك ، ثمّ زاد قربه بما استحيي به علي سائر
--> ( 1 ) . الإسراء : 59 . ( 2 ) . التين : 2 . ( 3 ) . عوالي اللئالي : 4 / 115 ، ح 176 ؛ والآية في العلق : 19 ؛ وراجع : مسند أحمد : 6 / 201 ؛ سنن أبي داود : 1 / 201 ، ح 879 ؛ سنن الترمذي : 5 / 221 ، ح 3637 ؛ سنن النسائي : 4 / 417 ، ح 7753 .