اللجنة العلمية للمؤتمر

87

مجموعة مقالات المؤتمر الدولي للشيخ ثقة الإسلام الكليني

وقلت فيه أيضاً : وغريبٌ أمر أُولئك الّذين ينظرون إلى الموقف من زاوية المظاهر الحاضرة ، ويحذفون من حساباتهم الأُمور غير المنظورة ، ويريدون أن يحاسبوا حركة الإمام وخروجه على أساس أنّه إمامٌ عالمٌ بالمصير ، بل لا بدّ أن يعرف‌كلّ شيءٍ من خلال الغيب ! فكيف يُقدم على ما أقدم ، وهو عالمٌ بكلّ ما يصير ؟ ! والغرابة في أنّ الإمام الحسين عليه السلام لو عمل طبقاً لما يعلمه من الغيب ، لعاب عليه كلُّ من يسمع الأخبار ، ويقرأ التاريخ : إنّه ترك دعوة الأُمّة المتظاهرة بالولاء له ، من خلال آلاف الكتب والعهود - والواصلة إليه بواسطة أُمناء القوم ورؤسائهم - إنّه تركهم استناداً إلى احتمالات الخيانة والتخاذل ، الّتي لم تظهر بوادرُها إلّا بالتخمين ، حسب ماضي هذه الجماعة وأخلاقهم . فلو عمل الإمام بعلمه بالغيب ، الّذي لم يؤمن به كثيرٌ من الناس في عصره ومن بعده ، ولم يسلّمه له غير مجموعة قليلة من شيعته ، ولو أطاع أُولئك الناصحين له بعدم الخروج ، لكان مُطيعاً لمن لم تجب عليه طاعتُهم ، وتاركاً لنجدة من تجب عليه نجدتُهم . كما أنّ طاعة أُولئك القلّة من الناصحين ، لم تكن بأجدر من طاعة الآلاف من عامّة الشعب ، الّذين قدّموا له الدعوة وبإلحاحٍ ، وقدّموا له الطاعة والولاء . وقبل هذا وبعده ، فإنّ الواجب الإلهيّ يحدُوه ، ويرسم له الخطط للقيام بأمر الأُمّة ، فإذا تمّت عليه الحجّة بوجود الناصر ، فهذا هو الدافع الأوّل والأساسيّ للإمام على الإقدام ، دون الإحجام‌على أساس الاحتمالات السياسيّة والتوقّعات الظاهريّة . وإنّما استند إليها في نصوصٍ من كلماته وتصريحاته ؛ لإبلاغ الحجّة ، وإفحام‌الخصوم ، وتوضيح المحجّة لكلّ جاهلٍ ومظلومٍ « 1 » . إنّ حاصل ما ذكره السيّد المرتضى والشيخ الطوسي في أمر الحسين عليه السلام هو : إنّه عليه السلام علم بواجبه وتيقّن بتماميّة الحجّة ، بدعوة أهل العراق وتواتر كتبهم إليه وطلبهم

--> ( 1 ) . المصدر السابق ، الفقرة 29 « أنصار أوفياء » .