السيد محمد رضا الجلالي
149
العنعنة من صيغ الأداء للحديث الشريف في الكافي
العنعنة . كما أنّ في كثير من تطبيقاته تكلّفاً واضحاً ، مثل ما ورد عن سفيان بن عُيَيْنة ، قال : « نا عمرو بن دينار » يريد « حدّثنا » ، فلمّا قيل له : قل « حدّثنا عمرو » ! قال : لا أقول ؛ لأنّي لم أسمع من قوله « حدّثنا » ثلاثة أحرف وهي : « ح د ث » لكثرة الزحام ، فأقتصرُ على « نا » النون والألف « 1 » . فهو يصرّح بعدم إرادته الاختصار ، وإنّما يتقيّد بلفظ ما سمع ، مع علمه بأنّ المراد هو « حدّثنا » وأنّه هو الواقع من الشيخ ، فهذا بلا ريب وَرَعٌ مُظْلِمٌ ، لا يطلبه أهل الفضل والعلم والفقه ، وليس يليق إلّابمن يتمشدق بهذه الزخارف . ولو كان أهل التشدّد في الاصطلاح يستحسنون هذا ويجوّزونه باعتباره اختصاراً غير مضرٍّ ، فأَوْلى لهم أن يجوّزوا التلفّظ بكلمة « عن » الّتي تؤدّي الرواية بكامل معناها ، من دون اختصار مع ما فيه من الاتّباع للصدر الأوّل . ولنختم هذا البحث ، بكلامٍ فَصْلٍ من الخطيب البغدادي ، حيث قال : « أهل العلم مُجمِعون على أنّ قول المحدّث : حدّثنا فلان عن فلان ، صحيح معمول به ، إذا كان شيخة يعرف أنّه قد أدرك الّذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه ، ولم يكن هذا المحدّث ممّن يدلّس ، ولا يستجيز أن يُسقط [ اسماً ] ويروي الحديث عالياً ؛ لأنّ الظاهر من الحديث السالم راويه ممّا وصفنا الاتّصالُ ، وإنْ كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده « 2 » .
--> ( 1 ) . علوم الحديث لابن الصلاح : ص 147 ، المقدّمة : ص 259 . ( 2 ) . الكفاية للخطيب : ص 421 .