السيد ثامر العميدي
84
حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني
وأمّا موقعها الجغرافي فليس له نظير ، ويكفي أنّ أكبر الأقاليم الإسلامية وأهمّها يوم ذلك أربعة : بلاد فارس ، والحجاز ، ومصر ، والشام ، وهي أشبه ما تكون بنقاط متناسبة البعد موزّعة على محيط دائرة إسلامية مركزها بغداد ، هذا فضلًا عن موقعها على ضفّتي دجلة ، وقرب الفرات من ضواحيها الأمر الذي زاد من خصوبة أرضها ، وعذوبة مائها ، وصفاء هوائها ، وكثرة خيراتها ، كلّ ذلك مع جودة بنائها وكثرة جوامعها وأسواقها وحوانيتها وجسورها وقناطرها وجريان الماء في أزقّتها من المحول والصراتين ونهر عيسى وغيرها . ومن جهة أخرى ، فقد ضمّت بغداد قبري الإمامين موسى بن جعفر الكاظم ، ومحمّد بن علي الجواد عليهم السلام ، ومن ثمَّ فهي موطن السفراء الأربعة رضوان اللَّه تعالى عليهم ، ولا زالت قبورهم الشريفة قائمة في بغداد . ومن هنا صارت بغداد مهبطاً روحياً للشيعة ، وعامل جذب للعلماء من كلّ مذهب ، إذ لا تكاد تجد فقيهاً ، أو مفسّراً ، أو محدّثاً ، أو أديباً من سائر المسلمين إلّاوقد قصد زيارة بغداد وشدّ ركابه إليها من شتّى مراكز الإشعاع الفكري الموزّعة على أمصار الدولة وأقاليمها في عصر ثقة الإسلام . وهكذا غطّت بغداد بشهرتها على جميع الحواضر العلمية - في ذلك الوقت - بلا استثناء . ثانياً - أوجه النشاط الثقافي والفكري والمذهبي ببغداد : الملاحظ في ذلك العصر هو اجتماع جميع المذاهب والفرق الإسلامية ببغداد ، من الشيعة الإمامية ، والزيدية ، والواقفة ، والمالكية ، والشافعية ، والحنبلية ، والظاهرية ، والطبرية ، والمعتزلة ، مع بروز عدد كبير من فقهاء كلّ مذهب ، حتى تألّق الفقه الإسلامي ، - بمعناه العريض الواسع - تألّقاً كبيراً في هذا العصر « حيث بلغ ذروته في الدقّة ، وقمّته في الاتّساع ، وأصبحت له مناهج واضحة ، وطرائق مرسومة محدودة ،