السيد ثامر العميدي

45

حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني

مواقف السلطة ومبتنياتها الفكرية ، ولهذا نجد في عهد المأمون العبّاسي ( 198 - 218 ه ) انتعاش المدرسة العقلية لميله نحوها كما هو معلوم ، وكذلك الحال في عهد ولده المعتصم ( 218 - 227 ه ) ، ثمّ الواثق ( 227 - 332 ه ) ، ولمّا جاء المتوكّل باللَّه العبّاسي ( 232 - 247 ه ) أظهر ميله نحو المدرسة السلفية ، وأرغم الناس على التسليم والتقليد ، ونهاهم عن المناظرة والجدل وعمّم ذلك على جميع بلاد الإسلام « 1 » . وقد سار على نهجه المعتمد ( 256 - 279 ه ) ، والمعتضد ( 279 - 289 ه ) « 2 » . وممّن عرف من رجال المدرسة السلفية في بلاد الريّ ، الفضل بن غانم الخزاعي قاضي الريّ لهارون الرشيد الذي كان داعية للفكر السلفي ، ولم يجب المعتزلة ومن وافقهم من رجال الدولة العبّاسية إلى القول بخلق القرآن « 3 » . ومن أنصار المعتزلة في الريّ قاضيها جعفر بن عيسى بن عبداللَّه بن الحسن بن أبي الحسن البصري ( ت / 219 ه ) ، حيث كان يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن أيّام المحنة ببغداد ، ولهذا ترك السلفيون حديثه « 4 » ووصفوه بالجهمية « 5 » لهذه العلّة لا غير ! ! وصفوة القول أنّ الفكر السلفي الجامد الذي قضى على حريّة الفكر ، واضطهاد المفكّرين لم يستطع القضاء على المدرسة العقلية وإن حارب المعتزلة والشيعة بلا هوادة . ويكفي إنّ أشهر المعتزلة القاضي عبدالجبّار المعتزلي المولود بالريّ ( سنة / 325 ه ) ، قبل وفاة ثقة الإسلام الكليني رحمه الله بأربع سنين ، قد تقلّد منصب قاضي القضاة في الريّ ، ولا زالت شبهته في الاستصحاب التي أوقعها في الريّ تدور على ألسنة

--> ( 1 ) . راجع : تاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 484 - 485 ، والتنبيه والإشراف : ص 314 ، ومروج الذهب : ج 4 ص 86 . ( 2 ) . البداية والنهاية : ج 11 ص 74 ، تاريخ الخلفاء : ص 294 و 299 . ( 3 ) . الرحلة في طلب الحديث : ص 203 . ( 4 ) . الجرح والتعديل : ج 2 ص 486 الرقم 1982 . ( 5 ) . ميزان الاعتدال : ج 1 ص 413 الرقم 1515 .