السيد ثامر العميدي

281

حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني

السواد التي تتوسّطها بغداد ، هذا فضلًا عن كون تلامذة أهل البيت عليهم السلام من العراقيين هم أكثر بكثير من تلامذتهم عليهم السلام في جميع بلاد الإسلام ، بل لا توجد نسبة بينهما أصلًا . فالتشيّع وإن كان حجازي المَنْبَتِ والولادة ، إلّاإنّه كوفي الثمرة ، عراقي الشهرة . فكيف لا يكون العراق - بالنسبة للكليني - مقصوداً إذن ؟ ومن جهة أخرى ، فإنّ شهرة الكليني في الحديث الشريف لا يختلف فيها اثنان ، وسعيه الدؤوب إلى إتمام ما بدأ به في الريّ ، يتطلّب الرحلة التي هي من مميّزات وخصائص المحدّثين في ذلك الزمان ، ولا شكّ بأنّ الرحلة إلى بغداد أولى من غيرها للاعتبارات العلمية التي امتازت بها بغداد في عصر الكليني بالذات . ويبدو أنّ شبهة الهجرة السياسية إلى عاصمة الدولة العبّاسية قد اعتمدت على مقولة دخول الكليني إلى بغداد بوقت متأخّر من عمره الشريف ، وارتبطت بها ارتباطاً وثيقاً ! وقد عرفت فساد تلك المقولة لِما تقدّم من أنّ ثقة الإسلام هاجر إلى العراق قبل دخول البويهيين إلى الريّ بأكثر من عشرين سنة ، أي في الوقت الذي لم تظهر للبويهيين فيه أيّة شهرة أو سلطة سياسية . ومع افتراض صحّة تلك المقولة جدلًا ، فإنّ تلك الشبهة التي تمكّنت من ذهن صاحبها شبهة داحضة أيضاً ، وتدلّ على جهلٍ عظيم بتاريخ نشوء الدولة البويهية ؛ لما تقدّم في الفصل الأوّل من أنّ البويهيين لم يدخلوا الريّ إلّافي ( سنة / 330 ه ) أي بعد هجرة الكليني منها - على وفق تلك المقولة - بثلاث سنين ، كما أنّهم لم يدخلوا إلى بغداد إلّافي ( سنة / 334 ه ) ، أي بعد وفاة الكليني بخمس سنين . وبهذا يتّضح الأمر جليّاً في خصوص كون رحلة ثقة الإسلام إلى بغداد رحلة علمية ، كما هو الحال في رحلة الكثير من علماء الشيعة وغيرهم إلى بغداد . ومن تصفّح تاريخ بغداد وجد المئات من الشيعة وغيرهم ممّن وفدوا إلى بغداد - في عصر الكليني أو ما قاربه - واستقرّوا بها إلى حين وفاتهم . فهل يقال عنهم بأنّهم كانوا - بهجرتهم إلى بغداد - دعاةً لبني بويه من أجل توطيد سلطانهم ؟ !